شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٨٦
و اعترض بأن الكذب في الصورة المذكورة باق على قبحه إلا إذا [١] ترك إنجاء النبي أقبح منه، فيلزم ارتكاب أقل القبيحين تخلصا عن ارتكاب الأقبح، فالواجب الحسن هو الإنجاء لا الكذب. و هذا إذا سلمنا عدم إمكان التخليص بالتعريض و إلا ففي المعاريض مندوحة عن الكذب [٢].
و الجواب: أن هذا الكذب لما تعين سببا و طريقا إلى الإنجاء الواجب كان واجبا فكان حسنا. و أما القتال [٣] و محصله [٤] الضرب حدا فأمرهما ظاهر.
الرابع: لو كان الحسن و القبح ذاتيين لزم اجتماع المتنافيين في إخبار من قال لأكذبن غدا. لأنه إما صادق فيلزم لصدقه حسنه و لاستلزامه الكذب في الغد قبحه، و إما كاذب فيلزم لكذبه قبحه، و لاستلزامه ترك الكذب في الغد حسنه، و قد يقرر اجتماع المتنافيين في اخبار الغدي كاذبا، فإنه لكذبه قبيح، و لاستلزامه صدق الكلام الأول حسن أو لأنه إما حسن فلا يكون القبح ذاتيا للكذب، و إما قبيح فيكون تركه حسنا مع استلزامه كذب الكلام الأول و هو قبيح، و مبني الاستلزام على انحصار الأخبار الغدي في هذا [٥] الواحد. و قد يقرر بأنه إما صادق، و إما كاذب، و أيا ما كان يلزم اجتماع الحسن و القبح فيه، و مبنى الكل على أن ملزوم الحسن حسن، و ملزوم القبيح قبيح، و أن كل حسن أو قبح ذاتي، و يمكن تقرير الشبهة بحيث يجتمع الصدق و الكذب في كلام واحد، فيجتمع الحسن و القبح، و ذلك إذا اعتبرنا قضية يكون مضمونها الإخبار عن نفسها بعدم الصدق، فيتلازم فيها الصدق و الكذب، كما تقول هذا الكلام الذي أتكلم به الآن [٦] ليس بصادق، فإن صدقها يستلزم عدم صدقها
[١] في (ب) إن بدلا من (إذا).
[٢] الحديث رواه البخاريّ في باب الأدب رقم ١١٦، و المعاريض من التعريض خلاف التصريح، و مندوحة، فسحة و متسع. و أخرجه الطبريّ في التهذيب و الطبرانيّ في الكبير و رجاله ثقات، و أخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة مرفوعا، و أخرجه أبو بكر بن كامل في فوائده و البيهقيّ في الشعب من طريقه.
[٣] في (ب) القتل بدلا من (القتال).
[٤] في (أ) بزيادة (و محصله).
[٥] في (أ) بزيادة (هذا).
[٦] في (أ) بزيادة لفظ (الآن).