شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٨
أدلة المعتزلة على أن أفعال العباد واقعة بخلقهم و إيجادهم
قال (و أما المعتزلة) (منهم من ادعى الضرورة لأن كل أحد يفرق بين حركة سقوطه و صعوده، و يجد تصرفاته بحسب دواعيه و مقصوده، و بحكم مدح من أحسن و ذم من أساء، و صحة طلب الشيء من الصحيح دون المقعد و صحة تحريك المدرة دون الجبل و لا شك في أن ما يطلبه أو ينهى عنه أو ما يتمناه إذ يتعجب منه، إنما هو فعل فاعله، كل ذلك بلا نظر و تأمل.
و الجواب: أنها لا تفيد سوى أن من الأفعال ما هو متعلق بقدرته و إرادته واقع بحسب قصده و داعيته و المتنازع كونه بخلقه و إيجاده، و قد خالف فيه أكثر العقلاء، فادعاء كونه ضروريا آية الوقاحة فضرورة عمن هو في غاية الحذاقة لا يكون إلا تغبية و تلبيسا على أصحابه كيلا يتبين لهم رجوعه إلى الحق حيث ذهب إلى أن توقف ترجح القادر أحد طرفي الفعل و الترك على الداعي ضروري، و حصول الفعل عقيب الداعي واجب أو ينتفي حينئذ استقلال العبد بالفاعلية، و يبطل الاعتزال بالكلية حيث لا يبقى المأمور مع الداعي الذي هو بخلق اللّه متمكنا من الفعل و الترك، كما إذا كان نفس الفعل كذلك.
قيل: المراد بالوجوب أنا نعلم أنه يفعل البتة مع إمكان الترك كثواب الأنبياء بالجنة، و عقاب الكفار بالنار.
قلنا: إن لزم مع خلوص الداعي إيثار جانب الفعل بحيث لا يتمكن من الترك فذاك، و إلا فلا فالوجوب مجرد تسمية و اعتقاد الحصول رجم بالغيب، و إنما يكون علما إذا اعتقد وجوب الصدور، و لهذا يستدل بنفي الفعل على نفي القدرة و الإرادة).