شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٣٣
أجيب: بأنكم لا تعتبرون في وجوب الأصلح جانب المعلوم حيث تزعمون أن من علم اللّه تعالى أنه لو كلفه طغى و عصى و استكبر و كفر يجب على اللّه تعويضه للثواب مع علمه بأنه لا يدركه بل يقع في العقاب و لو أنه اخترمه قبل كمال العقل خلص نجيا.
السادس: يلزم أن تكون إماتة الأنبياء و الأولياء المرشدين بعد حين و تبقية إبليس و ذرياته المضلين إلى يوم الدين أصلح لعباده و كفى بهذا فظاعة.
السابع: من علم اللّه تعالى منه الكفر و العصيان أو الارتداد بعد الإسلام، فلا خفاء في أن الإماتة أو سلب العقل أصلح له و لم يفعل.
فإن قيل: بل الأصلح التكليف و التعريض للنعيم الدائم لكونه أعلى المنزلتين.
قلنا: فلم لم يفعل ذلك بمن مات طفلا، و كيف لم يكن التكليف و التعريض لأعلى المنزلتين أصلح له، و بهذه النكتة ألزم الأشعري الجبائي و رجع عن مذهبه.
فإن قيل: علم من الطفل أنه إن عاش ضل و أضل غيره فأماته لمصلحة الغير.
قلنا: فكيف لم يمت فرعون [١] و هامان [٢] و مزدك و زرادشت و غيرهم من الضالين المضلين أطفالا، و كيف لم يكن منع الأصلح عمن لا جناية له لأجل مصلحة الغير سفها و ظلما.
[١] فرعون: اسم أعجمي ممنوع من الصرف، و الجمع: فراعنة كقياصرة و أكاسرة و هو اسم لكل من ملك مصر، فإذا أضيفت إليها الاسكندرية سمي عزيزا و اختلف في اسمه، فقيل: مصعب بن الوليد.
و قيل: ريان بن الوليد، و قيل: الوليد بن ريان، و كان أصله من خراسان من مدينة بسورمان، و قيل من قرية مجهولة تسمى: نوشخ، و لما قعد على سرير الملك قال: أين عجائز نوشخ و قد صدر منه ما لم يصدر من أحد من الكفار و المتمردين، و لا من قائدهم إبليس، منها إنكار العبودية- و دعوى الربوبية بقوله: (أنا ربكم الاعلى).
[٢] هامان: هو اسم أعجمي، و قد تقدمت نظائره، و كان وزير فرعون، و أصله من خراسان من قرية يقال لها بوشنج، و كان قد قرأ كتب المتقدمين، و كان له اليد الطولى في حساب النجوم، و كان يستدل من طالعه على مجمل أحواله و أحوال فرعون فاتفقا و سافرا جميعا من خراسان إلى أن بلغ أمرهما ما بلغ، و ذكر شواهد شقاوته و خذلانه في مواضع من الكتاب العزيز.