شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٦٦
و قالت الفلاسفة لما [١] كانت جميع صور الموجدات الكلية و الجزئية حاصلة من حيث هي معقولة في العالم العقلي بإبداع الأول الواجب إياها، و كان إيجاد ما يتعلق منها بالمادة في المادة مختلفا على سبيل الإبداع ممتنعا إذ هي غير متأتية لقبول صورتين معا فضلا عن أكثر، و كان الجود الإلهي مقتضيا لتكميل المادة بإبداع تلك الصور فيها، و إخراج ما فيها بالقوة من قبول تلك الصور إلى العقل قدر بلطيف حكمته زمانا يخرج فيه تلك الأمور من القوة إلى الفعل، فالقضاء عبارة من وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة و مجملة على سبيل الإبداع، و القدرة عبارة عن وجودها في موادها الخارجية مفصلة واحدا بعد واحد، كما قال عز من قائل وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [٢].
قالوا و دخول الشر في القضاء الإلهي على سبيل التبع، فإن الموجود إما خير محض كالعقول و الأفلاك، أو الخير غالب عليه كما في هذا العالم، فإن المرض و إن كثر فالصحة أكثر منه، و لما امتنع عقلا إيجادها [٣] في هذا العالم مبرأ عن الشرور بالكلية، فإن المطر المخصب للبلاد يخرب بعض الدور بالضرورة وجب في الحكمة إيجاده لأن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل شر كثير، فدخل الشر في القضاء، و إن كان مكروها غير مرضى
[١] في (أ) كما بدلا من (لما).
[٢] سورة الحجر آية رقم ٢١.
[٣] في (أ) إيجاد ما بدلا من (إيجادها).