شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٢
بمنزلة الإشارة لم يجز أن يكون الحكم عائدا إليه، إذ لا معنى لقولنا: إن هذا المعين ليس إلا هذا المعين. [١] و لزم أن يكون عائدا إلى الوصف على معنى أنه الخالق لا غيره و فيه ضعف لا يخفى على العارف بأساليب الكلام. و قوله تعالى: وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [٢] احتجاج على علمه تعالى بما في القلوب من الدواعي و الصوارف و العقائد، و الخواطر، بكونه خالقا لها على طريق ثبوت اللازم. أعني العلم بثبوت ملزومه أعني الخلق، و في أسلوب الكلام إشارة إلى أن كلا من اللزوم و ثبوت الملزوم واضح لا ينبغي أن يشك فيه، و لهذا يستدل بالآية [٣] على نفس كون العبد خالقا لأفعاله على طريق نفس الملزوم. أعني خلقه لأفعاله ينفي اللازم، أعني علمه بتفاصيلها لكن كون ذوات الصدور من [٤] قبيل الأفعال الاختيارية التي فيها النزاع محل بحث، و كذا دلالة الآية على كون العلم من لوازم الخلق على الإطلاق بل على تقدير كون الخالق هو اللطيف الخبير فليتأمل.
و قوله تعالى هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [٥] لا ينفي خالقا سوى اللّه على الإطلاق بل بوصف كونه رازقا لنا من السماء و العبد ليس كذلك.
و أجاب الإمام بأن ملائكة السماء الساعين في إنزال الأمطار رازقون لنا بمعنى التمكين من الانتفاع بأنواع النبات و الثمار كما يقال: رزق السلطان فلانا، فلو كانوا خالقين لأفعالهم لوجد خالق غير اللّه يرزق من السماء و فيه ضعف.
و قوله تعالى وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً [٦] يتناول المسيح و الملائكة و غيرهم من الأحياء الذين يدعونهم الكفار فيجب أن لا يخلقوا شيئا أصلا، و قوله تعالى هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [٧] يدل على أن من سوى اللّه [٨] لم يخلق شيئا و إلا لكان للكفار أن يقولوا نحن خلقنا كثيرا من الحركات
[١] في (ب) لمعين بدلا من (إذ لا معنى).
[٢] سورة الملك آية رقم ١٣، ١٤.
[٣] في (ب) بزيادة لفظ (به).
[٤] في (ب) الصور بدلا من (الصدور).
[٥] سورة فاطر آية رقم ٣.
[٦] سورة النحل آية رقم ٢٠.
[٧] سورة لقمان آية رقم ١١.
[٨] في (ب) رسول اللّه بدلا من (من سوى اللّه).