شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٨
أن يجزأ على ذلك، و لا على إطلاق الجسم عليه بمعنى الموجود. إما سمعا فلعدم ادن الشارع، و إما عقلا فلإيهامه بما عليه المجسمة من كونه جسما بالمعنى المشهور، و لما [١] عليه النصارى من أنه جوهر واحد، ثلاثة أقانيم [٢] على ما سيجيء. و أما القائلون بحقيقة الجسمية و الحيز و الجهة، فقد بنوا مذهبهم على قضايا وهمية كاذبة تستلزمها، و على ظواهر آيات و أحاديث مشير [٣] بها. أما الأول: فكقولهم كل موجود فهو إما جسم أو حال في جسم و الواجب يمتنع أن يكون حالا في الجسم لامتناع احتياجه فيتعين أن يكون جسما. و كقولهم: كل موجود إما متحيز أو حال في التحيز و يتعين كونه متحيزا لما مرّ، و كقولهم: الواجب إما متصل بالعالم أو منفصل عنه، و أيا ما كان يكون في جهة منه.
و كقولهم: الواجب إما داخل في العالم فيكون متحيزا أو خارجا عنه فيكون في جهة منه، و يدعون في صحة هذه المنفصلات، و تمام انحصارها الضرورة و الجواب:
المنع كيف و ليس تركيبها عن الشيء و نقيضه، أو المساوى لنقيضه، و أطبق أكثر العقلاء على خلافها، و على أن الموجود إما جسم أو جسماني، أو ليس بجسم، و لا جسماني، و كذا باقي التقسيمات المذكورة، و الجزم بالانحصار في القسمين، إنما هو من الأحكام الكاذبة للوهم، و دعوى الضرورة مبنية على العناد و المكابرة، أو على أن الوهميات كثيرا ما تشتبه بالأوليات.
و أما الثاني: فلقوله تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ [٤] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ
[١] في (ب) و بما بدلا من (و لما).
[٢] يراجع في ذلك ما كتبه الإمام الجويني في كتابه (الشامل في أصول الدين) حيث تكلم عن الأقانيم و ذكر مذاهب النصارى فيها مع استقصاء وجوه الرد فيها. و ناقشهم مناقشة العالم الفاهم لأمور دينه و فند مذاهبهم في الاتحاد و درع اللاهوت بالناسوت ص ٥٧٥ و ما بعدها و قد قمنا بالتعريف بالأقانيم فيما تقدم من هذا الكتاب.
[٣] في (أ) تشعر بها.
[٤] سورة الفجر آية رقم ٢٢.