شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٢٦
الجهل هو أن يحصل التعلق حال وجوده بأنه سيوجد، و هو غير التعلق الثاني [١]، و الحاصل أن التعلق بالعدم في حال معينة، و الوجود في حالة أخرى باق أزلا و أبدا [٢] لا ينقلب جهلا أصلا. فقد علم الباري في الأزل عدم العالم في الأزل، و وجوده فيما لا يزال، و فناه بعد ذلك و يوم القيامة أيضا بعلمه كذلك، من غير تغير أصلا، و هذا الكلام يدفع اعتراض الإمام، بأن الباري تعالى إذا أوجد العالم، و علم أنه موجود في الحال، فإما أن يبقى علمه في الأزل بأنه معدوم في الحال، فيلزم الجهل و الجمع بين الاعتقادين المتنافيين، و إما أن يزول [٣] فيلزم زوال القديم، و قد تقرر أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
(قال: و التزم تغير علمه بالجزئيات المتغيرة كما ذهب إليه هشام من أنه عالم في الأزل بالحقائق و الماهيات، و إنما يعلم الأشخاص و الأحوال بعد حدوثها).
و التزم يعني ذهب أبو الحسين إلى أن علم الباري بالجزئيات يتغير بتغيرها، و يحدث بعد وقوعها، و لا يقدح ذلك في قدم الذات كما هو مذهب جهم بن صفوان [٤]، و هشام بن الحكم [٥] من القدماء، و هو في أنه في الأزل إنما يعلم الماهيات و الحقائق، و أما التصديقات، أعني الأحكام بأن هذا قد وجد، و ذلك قد عدم، فإنما يحدث فيما لا يزال، و كذا تصور الجزئيات الحادثة. و بالجملة فذاته توجب العلم
[١] في (ب) الباقي بدلا من (الثاني).
[٢] في (أ) بزيادة (و ابدأ).
[٣] سقط من (ب) من أول (فيلزم) إلى قوله (أن يزول).
[٤] جهم بن صفوان السمرقنديّ، أبو محرز، من موالي بني راسب رأس الجهمية قال الذهبيّ: الضال المبتدع، هلك في زمان صغار التابعين، و قد زرع شرا عظيما كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خرسان فقبض عليه نصر بن سيار و أمر بقتله عام ١٢٨ ه راجع ميزان الاعتدال ١:
١٩٧، و لسان الميزان ٢: ١٤٢ و خطط المقريزي ٢: ٣٤٩/ ٣٥١.
[٥] هشام بن الحكم الشيبانيّ بالولاء، أبو محمد متكلم مناظر، كان شيخ الإمامية في وقته ولد بالكوفة و نشأ بواسط و سكن بغداد و انقطع إلى يحيي بن خالد البرمكيّ، صنف كتبا منها «الإمامة» و «القدر» و «الرد على المعتزلة» و الرد على الزنادقة و غير ذلك مات نحو ١٩٠ ه راجع لسان الميزان ٢: ١٩٤.