شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٠٦
الموجود فيمتدح بنفي الرؤية التي هي من صفات الخلق، و سمات النقص، و إن لم تجز رؤيته و أجيب: بأنه لا تمدح في ذلك أيضا لأن كثيرا من الموجودات بهذه المثابة، كالأصوات و الطعوم و الروائح و غيرها.
فاعترض بأن هذا لا يستقيم على أصلكم حيث جعلتم متعلق الرؤية هو الوجود و جوزتم رؤية كل موجود.
فأجيب: بأن تلك الأعراض و إن كانت جائزة الرؤية إلا أنها مقرونة بأمارات الحدوث، و سمات النقص، و لم يكن نفي رؤيتها مدحا بخلاف الصانع، فإنه علم بالأدلة القاطعة قدمه و كماله، و أدرج تمدحه بنفي الرؤية في أثناء كلام ينفي سمات الحدوث و الزوال، و يشتمل على آيات العظمة و الجلال أعني قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [١] إلى قوله وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [٢] فدل على جواز الرؤية [٣] و نهاياته و التمدح به إنما يكون على تقدير صحة الرؤية، و انتفاء أمارات الحدوث و سمات النقص، إذ لا تمدح بنفي الإدراك فيما تمتنع رؤيته التي هي سبب الإدراك كالمعدوم و لا فيما تصح رؤيته، لكن عرف حدوثه و نقصه كالأصوات، و الروائح و الطعوم، و اعلم أن مبنى هذا الاستدلال على أن يكون كل من قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و قوله وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [٤] تمدحا على حدة لا أن يكون المجموع تمدحا واحدا فليتأمل.
[١] سورة الأنعام الآيات ١٠١، ١٠٢، ١٠٣.
[٢] سورة الأنعام الآيات ١٠١، ١٠٢، ١٠٣.
[٣] الرؤية: تختلف بحسب قوى النفس: الأول: بالحاسة و ما يجزي مجراها قال تعالى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ سورة التوبة آية ١٠٥ و هذا مما أجرى مجرى الرؤية بالحاسة فإن الحاسة لا تصح على اللّه تعالى. و الثاني: بالوهم و التخييل نحو: أرى أن زيدا منطلق. و الثالث بالتفكر قال تعالى: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ و الرابع بالعقل نحو: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى سورة النجم آية ١١، و على ذلك حمل قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى سورة النجم آية ١٣.
[٤] سورة الأنعام آية رقم ١٠٣.