شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢٥
مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة على ما قدره البعض، فقريب من الحق، و إن أراد أن كلّا من القدرتين مستقلة بالتأثير فباطل لما سبق. و كذا الجبر المطلق، و هو أن أفعال الحيوانات بمنزلة حركات الجمادات لا تتعلق بها قدرتها لا إيجادا و لا كسبا، و ذلك لما نجد من الفرق الضروري بين حركة المرتعش و حركة الماشي، فبقي الكلام بين الكسبية و القدرية. و لكن لا بد أولا من بيان معنى الكسب دفعا لما يقال إنه اسم بلا مسمى. فاكتفى بعض أهل السنة، بأنا نعلم بالبرهان أن لا خالق سوى اللّه تعالى، و لا تأثير إلا للقدرة القديمة، و نعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله كالصعود دون البعض كالسقوط فيسمى أثر تعلق القدرة الحادثة كسبا و إن لم يعرف حقيقته [١].
قال الإمام الرازي: هي صفة تحصل بقدرة العبد بفعله الحاصل بقدرة اللّه تعالى، فإن الصلاة و القتل مثلا كلاهما حركة، و يتمايزان بكون إحداهما طاعة، و الأخرى معصية، و ما به الاشتراك غير ما به التمايز فأصل الحركة بقدرة اللّه تعالى، و خصوصية الوصف بقدرة العبد، و هي المسماة بالكسب [٢]، و قريب من ذلك ما يقال أن أصل الحركة بقدرة اللّه، و تعينها بقدرة العبد و هو الكسب و فيه نظر. و قيل الفعل الذي يخلقه اللّه تعالى في العبد، و يخلق معه قدرة للعبد متعلقة به يسمى كسبا للعبد بخلاف ما إذا لم يخلق معه تلك القدرة- و قيل إن للعبد قدرة تختلف بها النسب و الإضافات فقط كتعيين أحد طرفي الفعل و الترك و ترجيحه، و لا يلزم منها وجود أمر حقيقي. فالأمر الإضافي الذي يجب من العبد، و لا يجب عند وجود الأثر هو الكسب، و هذا ما قالوا هو ما يقع به المقدور بلا صحة انفراد القادرية و ما يقع في محل قدرته
[١] كما قال ذلك الإمام الأشعريّ و أتباع مذهبه.
[٢] الكسب: لغة طلب الشيء و الحصول عليه. و في اصطلاح المتكلمين، حظ الإنسان من الاختيار فيما يصدر عنه من أعمال، يراد بذلك أن الأفعال الإنسانية يخلقها اللّه بقدرة يحدثها. و ليس للإنسان إلا أن يصرف هذه الأفعال إلى الخير أو الشر و يسمى أيضا (اكتسابا) قال بهذا الإمام الأشعريّ، و صار رأي أهل السنة من بعده و هو مذهب وسط بين القول بالجبر الذي ينفي قدرة العبد على إيجاد الفعل أو توجيهه نحو غاية معينة. و بين مذهب المعتزلة الذي يعزو الى الإنسان قدرة تخلق الفعل و تبين و جهته من الخير أو الشر.
راجع الموسوعة العربية الميسرة ص ١٤٦٢.