شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢٦
بخلاف الخلق، فإنه ما يقع به المقدور مع صحة انفراد القادرية و ما يقع لا في محل قدرته، فالكسب لا يوجب وجود المقدور بل يوجب من حيث هو كسب اتصاف الفاعل بذلك المقدور، و لهذا يكون مرجعا لاختلاف الإضافات ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا، فالاتصاف بالقبيح بقصده و إرادته قبيح بخلاف خلق القبيح فإنه لا ينافي المصلحة و العاقبة الحميدة، بل ربما يشتمل عليهما. و ملخص الكلام ما أشار إليه الإمام حجة الإسلام الغزالي، و هو أنه لما بطل الجبر المحض بالضرورة و كون العبد خالقا لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد و هو أنها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعا، و بقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه عندنا بالاكتساب، و ليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع. إذ قدرة اللّه تعالى في الأزل متعلقة بالعالم من غير اختراع، ثم تتعلق به عند الاختراع نوعا آخر من التعلق، فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تسمى كسبا له، و باعتبار نسبتها إلى قدرة اللّه تعالى خلقا، فهي خلق للرب و وصف للعبد، و كسب له، و قدرته خلق للرب و وصف للعبد و ليس بكسب له.