شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٦
وقوع ذلك، كالملك إذا أراد دخول القوم داره رغبة و اختيارا لا كرها و اضطرارا، فلم يدخلوا ليس بشيء لأنه لم يقع هذا المراد و وقع مرادات العبيد و الخدم، و كفى بهذا نقيصة و مغلوبية لنا على إرادته للكائنات أنه خالق لها بقدرته من غير إكراه، فيكون مريدا لها ضرورة أن الإرادة هي الصفة المرجحة لأحد طرفي الفعل و الترك، [١] و على عدم إرادته لما ليس بكائن أنه علم عدم وقوعه، فعلم استحالته لاستحالة انقلاب علمه جهلا و العالم باستحالة الشيء لا يريده البتة.
و اعترض بأن خلاف المعلوم مقدور له في نفسه، و المقدور إذا كان متعلق المصلحة يجوز أن يكون مرادا و إن علم أنه لا يقع البتة و بأن من أخبره النبي الصادق بأن فلانا يقتله البتة يعلم ذلك قطعا مع أنه لا يريد قتله بل حياته.
و الجواب أن هذا تمن لا إرادة، فإنها الصفة التي شأنها التخصيص و الترجيح، و أما الآيات و الأحاديث في هذا الباب، فأظهر من أن تخفى، و أكثر من أن تحصى، وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ، وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٢] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [٣] وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [٤] وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [٥] وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [٦] أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ [٧] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٨] وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٩].
[١] في (ب) العقل بدلا من الفعل.
[٢] سورة الأنعام آية رقم ١١١.
[٣] سورة الأنعام آية رقم ١٢٥.
[٤] سورة هود آية رقم ٣٤.
[٥] سورة الأنعام آية رقم ٣٥ و قد جاءت هذه الآية محرقة في (ب) حيث قال: لجعلهم بدلا من (لجمعهم).
[٦] سورة النحل آية رقم ٩.
[٧] سورة التوبة آية رقم ٥٥.
[٨] سورة القصص آية رقم ٥٦.
[٩] سورة يونس آية رقم ٢٥.