شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٢
قد ثبت أن اللّه تعالى عالم بالجزئيات [١] ما كان و ما سيكون، و أنه يستحيل عليه الجهل و كل ما علم اللّه أنه يقع يجب وقوعه، و كل ما علم اللّه أنه لا يقع يمتنع وقوعه، نظرا إلى تعلق العلم، و إن كان ممكنا في نفسه، و بالنظر إلى ذاته، و لا شيء من الواجب و الممتنع باقيا في مكنة العبد بمعنى أنه إن شاء فعله و إن شاء تركه.
فإن قيل: يجوز أن يعلم اللّه تعالى أن فعل العبد يقع بقدرته و اختياره، فلا يكون خارجا عن مكنته.
قلنا: فيجب أن يقع البتة بقدرته و اختياره، بحيث لا يتمكن من اختيار الترك، و هذا هو المراد بالانتهاء إلى الاضطرار. غاية الأمر أن يكون بإيجاده لكن لا على وجه الاستقلال و الاختيار التام كما هو مذهب المعتزلة. و قد أشرنا إلى أن القصد [٢] من بعض الأدلة إلى الإلزام دون الإتمام. نعم يرد نقض الدليل بفعل الباري تعالى، لجريانه فيه مع الاتفاق على كونه بقدرته و اختياره، و يمكن دفعه بأن الاختياري ما يكون الفاعل متمكنا من تركه عند إرادة فعله لا بعده، و هذا متحقق في فعل الباري، لأن إرادته قديمة متعلقة في الأزل بأنه يقع في وقته، و جائز أن يتعلق حينئذ بتركه [٣]، و ليس حينئذ سابقة علم ليتحقق الوجوب، أو الامتناع. إذ لا قبل للأزل، فالحاصل أن تعلق العلم و الإرادة معا فلا محذور بخلاف إرادة العبد، و تقرير الإمام في المطالب العالية [٤] هو أنه لما وجب في الأزل وقوع الفعل أو لا وقوعه في وقته لزم أن يكون لهذا الوجوب سبب، و ليس من العبد لأن الحادث لا يصلح سببا للأزلي. بل من اللّه تعالى. و ليس هو العلم لأنه تابع للمعلوم، لا مستتبع. بل القدرة و الإرادة، إذ بهما التأثير فثبت أن المؤثر في فعل العبد قدرة اللّه تعالى إما ابتداء أو بوسط و هو المطلوب، و هذا ضعيف جدا، لكن النقض مندفع عنه.
[١] قال تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. سورة الأنعام آية رقم ٥٩.
[٢] في (أ) بزيادة حرف (أن).
[٣] سقط من (ب) لفظ (حينئذ).
[٤] هذا الكتاب يسمى المطالب العالية في الكلام للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ ه و شرحه عبد الرحمن المعروف بجلب زاده.
راجع كشف الظنون ج ٢ ص ١٧١٤.