شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٥٩
يمتنع ظهور الروحاني بالجسماني كجبريل في صورة دحية الكلبي [١]، و كبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسى [٢] فلا يبعد أن يظهر اللّه تعالى في صورة بعض الكاملين. و أولى [٣] الناس بذلك علي و أولاده المخصوصون الذين هم خير البرية، و العلم؛ و في الكلمات العلمية، و العملية [٤] فلهذا كان يصدر عنهم في العلوم و الأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية.
و منهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن [٥] في السلوك، و خاصة لجهة الأصول، فربما يحل اللّه فيه تعالى اللّه [٦] عما يقول الظالمون علوا كبيرا، و كالنار في الحجر، بحيث لا يتمايز أو يتحد به بحيث لا اثنينية و لا تغاير.
و صح أن يقول: هو أنا، و أنا هو. و حينئذ يرتفع الأمر و النهي، و يظهر من الغرائب و العجائب ما لا يتصور من البشر، و فساد الرأيين غني عن البيان. و هاهنا مذهبان آخران يوهمان بالحلول و الاتحاد، و ليسا منه في شيء.
الأول: أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللّه تعالى و في اللّه يستغرق في بحر التوحيد و العرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته تعالى [٧] و صفاته في صفاته.
و يغيب عن كل ما سواه، و لا يرى في الوجود إلا اللّه تعالى و هذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد [٨] و إليه يشير الحديث الإلهي «إن العبد لا يزال يتقرب إليّ حتى
[١] هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة
الكلبي، صحابي بعثه رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و سلم برسالته إلى قيصر يدعوه
للإسلام، و حضر كثيرا من الوقائع، و كان يضرب به المثل في حسن الصورة، و شهد
اليرموك ثم نزل دمشق و سكن المزة و عاش إلى خلافة معاوية توفي نحو ٤٥ ه. راجع الاصابة ٤٧٢، و تهذيب ابن عساكر ٢٦٨ و فيه دحية بفتح الدال و
في القاموس بالكسر و تفتح.
[٢] سقط من (ب) في صورة.
[٣] في (ب) و أقل و هو تحريف.
[٤] في (أ) بزيادة العملية.
[٥] في (ب) أمضى بدلا من (أمعن).
[٦] سقط من (ب) لفظ (فيه).
[٧] في (أ) بزيادة لفظ (تعالى).
[٨] الفناء: زوال الشيء و الفرق بينه و
بين الفساد أن فناء الشيء عدمه على حين أن فساده تحوله إلى شيء آخر.