شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٢
على صورته و عظموه تشفعا إلى اللّه تعالى و توسلا [١]، و منهم اليهود القائلون: إن عزيرا ابن اللّه [٢]؛ لما أحياه اللّه تعالى بعد موته و كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه، و منهم النصارى القائلون بأن المسيح ابن اللّه حيث ولد بلا أب، و ورد في الإنجيل ذكرهما بلفظ الأب و الابن.
و الجواب: أنه إن صح النقل من غير تحريف، فمعنى الأبوة الربوبية، و كونه المبدأ و المرجع، و معنى النبوة التوجه إلى جناب الحق عز و جل بالكلية كابن السبيل أو قصد التشريف و الكرامة، و لهذا نقل في الإنجيل مثل ذلك في حق الأمة أيضا حيث قال: إني صاعد إلى أبي و أبيكم و إلهي و إلهكم.
و بالجملة فنفي الشركة في الألوهية ثابت عقلا و شرعا و في استحقاق العبادة شرعا، وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [٣]
[١] و بهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة- رضي اللّه عنها أن أم حبيبة، و أم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا و صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة.
و ذكر الثعلبي عن ابن عباس- قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا و سمّوها بأسمائهم تذكرونهم بها، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك و نسخ العلم عبدت من دون اللّه.
[٢] قد روى أن سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع اللّه عنهم التوراة و محاها من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض فأتاه جبريل فقال: أين تذهب. قال: أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم، و قيل: بل حفظها اللّه عزيرا كرامة منه له: فقال لبني إسرائيل إن اللّه حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها من عنده، و كانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن و الجلاء و المرض، و قتل بختنصر إياهم ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك و قالوا: إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا و هو ابن اللّه. حكاه الطبريّ. و ظاهر قول النصارى أن المسيح ابن اللّه، إنما أرادوا نبوة النسل كما قالت العرب في الملائكة، و كذلك يقتضي قول الضحاك و الطبريّ و غيرهما و هذا أشنع الكفر.
قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله و أنه ابن إله قال ابن عطية، و يقال إن بعضهم يعتقدها نبوة حنو و رحمة، و هذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق النبوة عليه و هو كفر.
[٣] سورة التوبة آية رقم ٣١.