شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢٧
يصح كهبة المجهول. و قيل يصح لما فيه من نفع الجاني، و الجهالة لا تمنع صحة الإسقاط كما في الإعتاق و الإبراء، و كذا يصح نقله إلى الغير بأن يهب عوضه من غيره، لكن شبهة الجهالة في ذلك متأكدة. و منها اختلافهم في أن العوض هل يجب أن يكون في الآخرة، و هل يحيط بالذنوب اعتبارا بالثواب، أم يجوز في الدنيا، و لا يحيط أصلا لعدم الدليل على النقيض، و في أنه هل يجوز التفضل بمثل الأعواض ابتداء من غير سبق ألم، أم لا؟ و على تقدير الجواز هل يجوز الإيلام و تحسن المحن لمجرد العوض؟ كما هو رأي أبي علي بناء على أن للعوض اللازم للمستحق مزية على المتفضل به من غير لزوم، و استحقاق أم لا بد مع ذلك من أن يكون ألطافا للمؤلم في الزجر عن القبيح؟ و لغيره بحسب الاتعاظ و الاعتبار؟ كما هو رأي الضميري [١]، أم لا بد من كلا الأمرين كما هو رأي أبي هاشم بناء على أنه لما جاز مثل العوض ابتداء كان الإيلام لمجرد العوض عبثا خارجا عن الحكمة، و ما يقال من أن للمستحق اللازم مزية على المتفضل به الغير اللازم فإنما هو في حق من وقف من تفضله.
فإن قيل: و هل يجوز إيلام الغير لمنفعته بدون رضاه.
قلنا: نعم إذا كانت منفعة عظيمة موقنة تتفق العقلاء على إيثار ذلك الألم [٢] لأجلها.
[١] هو محمد بن عمر الضمريّ: أبو عبد اللّه شيخ المعتزلة في البصرة انتهت إليه رياستهم بعد الجبائيّ، و هو أستاذ أبي سعيد السيرافي من كتبه «الرد على ابن الراونديّ» توفي عام ٣١٥ ه راجع سير النبلاء الطبقة الثامنة عشرة و لسان الميزان ٥: ٣٢٠
[٢] الألم: مصدر ألم يألم، كعلم يعلم، و هو مقابل للذة، و الألم و اللذة هما من الأحوال النفسية الأولية، فلا يعرفان، بل تذكر خواصهما و شروطهما دفعا للالتباس اللفظي.
قال ابن سينا: إن اللذة هي إدراك و نيل لوصول ما هو عند المدرك كمال و خير من حيث هو كذلك، و الألم إدراك و نيل لوصول ما هو عند المدرك آفة و شر (الاشارات، ص ١٩).
و المراد بالإدراك العلم، و بالنيل تحقق الكمال لمن يلتذ، فإن التكليف بالشيء لا يوجب الألم و اللذة من غير إدراك فلا ألم و لا لذة للجماد بما يناله من الكمال و النقص، و إدراك الشيء من غير النيل لا يؤلم و لا يوجب لذة، كتصور الحلاوة و المرارة، فالألم و اللذة، لا يتحققان إذن دون الادراك و النيل، و إنما قال عند المدرك لأن الشيء قد يكون كمالا و خيرا بالقياس إلى شخص و لا يعتقد كماليته فلا يلتذ به (راجع الكشاف للتهانوي)