شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٢٦
عن تلك المضار. و أجيب [١] بأن الحديث خبر واحد في مقابلة القطعي مع أنه لا يدل على كيفية الانتصاف فلعلها تكون بإيفاء العوض من عنده، و أما التكليف فإنما هو لحفظ المواشي عن السباع و الأموال عن الضياع، حتى لا يجب منع الهرة عن أكل الحشرات و العصافير، بل قد يحرم لكونه منعا للرزق عنها، اللهم إلا إذا تألم قلب العاقل بالافتراس فيجب المنع دفعا لتضرره بتألم قلبه و منها أن الإيلام بأمر اللّه كما في استعمال البهائم أو بإباحته كما في ذبحها أو بتمكينه مع تأخير الانتصاف إلى دار الجزاء كما في المظلوم عوضه على اللّه تعالى لتعاليه عن الظلم و منها أنه إذا استوى لذة و ألم في كونهما لطفا، فالجمهور على أنه يتعين اللذة، و يقبح الألم.
لأنه إنما يحسن إذا تعين طريقا للعوض و اللطف. و قال أبو هاشم [٢]: بل يتخير منهما كما بين المنفعتين لأن الإيلام بكونه عوضا و لطفا قد خرج عن كونه عبثا و ظلما، و منها أن العوض يستحق دائما عند أبي علي كالثواب. إذ لو انقطع لاغتم بانقطاعه فثبت عوض آخر و هلمّ جرا، و منقطعا عند أبي هاشم إذ لو شرط الدوام لما حسن بدونه، و اللازم باطل لأن العقلاء قد يستحسنون الآلام لمنافع منقطعة، و منها أنهم اختلفوا في أنه هل يشترط عند إبقاء العوض علم المعوض بأنه حقه كالثواب أم لا بناء على أن العوض منه مجرد اللذة و المنفعة. و في الثواب قصد التعظيم به بما لا يثبت بدون علمه بذلك، و منها أنه هل يجوز التفضل بقضاء عوض المظلوم عن الظالم؟ بناء على أن حقه في الأعواض المقابلة بالمضار و قد وصلت أم لا بناء على أن حقه في الأعواض الواجبة، و لم تصل و أنه لو جاز التفضل لعوضه، لجاز ترك الانتصاف من الظالم و هو باطل، و منها أن العوض الواجب على اللّه، لا يصح إسقاطه إذ لا نفع فيه لأحد، لكن يصح نقله إلى الغير نفعا له بخلاف لثواب، فإن جهة التعظيم لا تقبل ذلك، و أما الواجب على العبد، و عند القاضي لا
[١] في (أ) واجب بدلا من (و أجيب) و هو تحريف.
[٢] هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي من أبناء أبان مولى عثمان: عالم بالكلام من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها و تبعته فرقة سميت (البهشمية) نسبه إلى كنيته (أبي هاشم) و له مصنفات في الاعتزال كما لابيه من قبله مولده عام ٢٤٧ ه و وفاته ببغداد عام ٣٢١ ه راجع المقريزيّ ٢: ٢٤٨ و وفيات الأعيان ١: ٢٩٢ و البداية و النهاية ١١: ١٧٦ و ميزان الاعتدال ٢: ١٣١ و تاريخ بغداد ١١: ٥٥ و فيه أبو هاشم شيخ المعتزلة و مصنف الكتب على مذهبهم.