شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٥
الموت، و ما بين الموت و البعث، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة، فلذا يفسر بالوقت الذي علم اللّه تعالى بطلان حياة الحيوان فيه، ثم من قواعد الباب أن المقتول ميت بأجله أي موته كائن في الوقت الذي علم اللّه تعالى في الأزل و قدر حاصل بإيجاد اللّه تعالى من غير صنع للعبد مباشرة، و لا توليدا، و أنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت، و أن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر، و لا بالموت بدل القتل، و خالف في ذلك طوائف من المعتزلة. فزعم الكعبي [١] أنه ليس بميت لأن القتل فعل العبد، و الموت لا يكون إلا فعل اللّه تعالى أي مفعوله، و أثر صنعه.
و ردّ بأن القتل قائم بالقاتل حال فيه لا في المقتول، و إنما فيه الموت، و انزهاق الروح الذي هو إيجاد اللّه تعالى عقيب القتل بطريق جري العادة، و كأنه يريد بالقتل المقتولية، و يجعلها نفس بطلان الحياة، و يخص الموت بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به قوله تعالى أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [٢] الآية لكن لا خفاء في أن المعنى مات حتف أنفه، و أن مجرد بطلان الحياة موت، و لهذا قيل: إن في المقتول معنيين قتلا هو من فعل القاتل، و موتا هو من فعل اللّه تعالى. و زعم كثير منهم أن القاتل قد قطع عليه الأجل، و أنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم اللّه تعالى موته فيه لو لا القتل، و زعم أبو الهذيل أنه لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت، لنا الآيات و الأحاديث الدالة على أن كل هالك مستوف أجله من غير تقدم و لا تأخر، ثم على تقدير عدم القتل، لا قطع بوجود الأجل و عدمه، فلا قطع بالموت و لا الحياة. فإن عورض بقوله تعالى وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا
[١] هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبيّ من بني كعب، البلخيّ الخراسانيّ أبو القاسم، أحد أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية و له آراء و مقالات في الكلام انفرد بها، و هو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة، و توفي ببلخ عام ٣١٩ ه له كتب منها «التفسير» و تأييد مقالة أبي الهذيل، و أدب الجدل، و مفاخر خراسان، و الطعن على المحدثين، انثى عليه أبو حيان التوحيدي، و قال الخطيب البغداديّ صنف في الكلام كتابا كثيرة و انتشرت كتبه في بغداد.
راجع تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤ المقريزي ٢: ٣٤٨ و وفيات الأعيان ١: ٢٥٢
[٢] سورة آل عمران آية رقم ١٤٤