شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣١٠
قال المبحث الأول: الهدى قد يكون لازما بمعنى الابتداء أي وجدان طريق توصل إلى المطلوب و يقابله الضلال أي فقدان الطريق الموصل، و قد يكون متعديا بمعنى الدلالة على الطريق الموصل و الإرشاد إليه، و يقابله الإضلال بمعنى الدلالة على خلافه، مثل أضلني فلان عن الطريق. و قد تستعمل الهداية في معنى الدعوة كقوله تعالى وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [١] و قوله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [٢] أي دعوناهم إلى طريق الحق فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [٣] أي على الاهتداء. و بمعنى الإثابة كقوله تعالى في حق المهاجرين و الأنصار سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ [٤] و قيل معناه الإرشاد في الآخرة إلى طريق الجنة، و يستعمل الإضلال في معنى الإضاعة و الإهلاك كقوله تعالى فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ [٥] و منه أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [٦] أي هلكنا، و قد يسندان مجازا إلى الأسباب كقوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [٧] و كقوله تعالى حكاية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً [٨] و هذا كله مما ليس فيه كثير نزاع و أمّا الكلام في الآيات المشتملة على اتصاف الباري تعالى بالهداية و الإضلال و الطبع على قلوب الكفرة و الختم و المد في طغيانهم و نحو ذلك كقوله تعالى وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٩] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [١٠] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [١١] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَ مَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [١٢]
[١] سورة الشورى آية رقم ٥٢.
[٢] سورة فصلت آية رقم ١٧.
[٣] سورة فصلت آية رقم ١٧.
[٤] سورة محمد آية رقم ٥.
[٥] سورة محمد آية رقم ٤.
[٦] سورة السجدة آية رقم ١٠.
[٧] سورة الإسراء آية رقم ٩.
[٨] سورة إبراهيم آية رقم ٣٦.
[٩] سورة يونس آية رقم ٢٥ و قد جاءت هذه الآية محرفة في الأصل حيث ذكر يهدي بدلا من (يدعو).
[١٠] سورة البقرة آية رقم ٢٧٢.
[١١] سورة الأنعام آية رقم ١٢٥.
[١٢] سورة الأعراف آية رقم ١٧٨.