شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩٢
قطعا و ما ذاك إلا لأن حسنه ذاتي ضروري عقلي، و كذلك إنقاذ من أشرف على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع و غرض و لو مدحا و ثناء.
و الجواب: أن إيثار الصدق لما تقرر في النفوس من كونه الملائم لغرض العامة و مصلحة العالم و الاستواء المفروض إنما هو في تحصيل غرض ذلك الشخص، و اندفاع حاجته لا على الإطلاق. كيف و الصدق ممدوح، و الكذب مذموم عند العقلاء. و على مذهبكم عند اللّه أيضا بحكم العقل. و لو فرضنا الاستواء من كل وجه، فلا نسلم إيثار الصدق قطعا، و إنما القطع بذلك عند الفرض و التقدير، فيتوهم أنه قطع عند وقوع المقدر المفروض، و قد أوضحنا الفرق في فوائد شرح [١] الأصول.
و أما انقاذ الهالك فلرقة الجنسية المجبولة في الطبيعة، و كله يتصور [٢] مثل تلك الحالة لنفسه، فيجره استحسان ذلك الفعل من غيره في حق نفسه إلى استحسانه من نفسه في حق غيره.
و بالجملة لا نسلم أن إيثار الصدق و الإنقاذ عند من لم يعلم استقرار الشرائع على حسنها إنما هو لحسنهما عند اللّه على ما هو المتنازع بل لأمر آخر.
الثالث: لو لم يثبت الحسن و القبح إلا بالشرع لم يثبتا أصلا، لأن العلم بحسن ما أمر به الشارع أو أخبر عن حسنه، و بكذب ما نهى عنه أو أخبر عن قبحه يتوقف على أن الكذب قبيح لا يصدر عنه، و أن الأمر بالقبيح و النهي عن الحسن سفه و عبث لا يليق به، و ذلك إما بالعقل و التقدير أنه معزول لا حكم له. و إما بالشرع فيدور.
و الجواب: أنّا لا نجعل الأمر و النهي دليل الحسن و القبح ليرد ما ذكرتم، بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأمر و المدح، و القبح عن كونه متعلق النهي و الذم. قال إمام الحرمين: و مما يجب التنبيه له أن قولنا لا يدرك الحسن و القبح إلا
[١] هذا الكتاب لعز الدولة سعيد بن منصور المعروف بابن كمونة المتوفي سنة ٦٧٦ ه أتى فيه بجميع ألفاظ ابن سينا من غير إخلال إلا بما هو لضرورة اندراج الكلام و خرج ما التقطه من كتب الحكماء و من شرح العلامة نصير الدين و ما استنبطه فكره فصار كتابا كالشرح للإشارات و سماه «شرح الأصول و الجمل من مهمات العلم و العمل». و لعل صاحب المقاصد عمل عليه بعض الخطوط و التعليقات.
[٢] في (ب) و كأنه بدلا من (و كله).