شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٧
و للمعتزلة فيها تأويلات فاسدة، و تعسفات باردة يتعجب منها الناظر، و يتحقق أنهم فيها محجوجون، و بوهقها مخنوقون، و لظهور الحق في هذه المسألة يكاد عامتهم به يعترفون، و يجري على ألسنتهم أن ما لم يشأ اللّه لا يكون. ثم العمدة القصوى لهم في الجواب عن أكثر الآيات حمل المشيئة على مشيئة القسر و الإلجاء، و حين سئلوا عن معناها تحيروا. فقال العلاف [١] معناها خلق الإيمان و الهداية فيهم بلا اختيار منهم.
و ردّ بأن المؤمن حينئذ يكون هو اللّه لا العبد على ما زعمتم في إلزامنا [٢] حين قلنا بأن الخالق هو اللّه تبارك و تعالى و عز و جل مع قدرتنا و اختيارنا و كسبنا، فكيف بدون ذلك؟ فقال الجبائي: معناها خلق العلم الضروري بصحة الإيمان، و إقامة الدلائل المثبتة لذلك العلم الضروري.
و رد بأن هذا لا يكون إيمانا و الكلام فيه على أن في بعض الآيات دلالة على أنهم لو رأوا كل آية و دليل لا يؤمنون البتة فقال ابنه أبو هاشم معناها: أن خلق لهم العلم الضروري بأنهم لو لم [٣] يؤمنوا لعذبوا عذابا شديدا و هذا أيضا فاسد، [٤]، لأن كثيرا من الكفار كانوا يعلمون ذلك، و كذا إبليس و لا يؤمنون على أنه قال تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها، وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [٥]. يشهد بفساد تأويلاتهم لدلالته على أنه إنما لم يهد الكل لسبق الحكم بملء جهنم و لا خفاء في أن الإيمان و الهداية بطريق الجبر لا يخرجهم عن استحقاق جهنم سيما عند المعتزلة. و تمام تفصيل هذا المقام و تزييف تأويلاتهم في المطولات و كتب التأويلات و المعتزلة تمسكوا في دعواهم بوجوه:
[١] هو محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي مولى عبد القيس أبو الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة ولد في البصرة عام ١٣٥ ه و اشتهر بعلم الكلام. قال المأمون: أطل أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام، له مقالات في الاعتزال. كف بصره في آخر عمره مات عام ٢٣٥ ه راجع وفيات الأعيان ١: ٤٨٠ و مروج الذهب ٢: ٢٩٨.
[٢] سقط من (أ) حرف الجر (في).
[٣] في (ب) بزيادة لفظ (الضروري).
[٤] في (أ) بزيادة لفظ (فاسد).
[٥] سورة السجدة آية رقم ١٣.