شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٧٥
بَأْسَنا [١] فجعلهم مكذبين. و صرح آخر: بأنه لو شاء لهداكم أجمعين. و قد يتمسك بقوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٢] و قوله تعالى كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [٣].
و رد الأول بعد تسليم العموم بأن المعنى لأمرهم بالعبادة أو ليتذللوا أو ليكونوا عبادا لي.
و الثاني: بعد تسليم كون الإشارة إلى ما وقع بأن المعنى مكروها بين الناس و في مجاري العادات).
مذهب أهل الحق أن إرادة اللّه تعالى متعلقة بكل كائن، غير متعلقة بما ليس بكائن، على ما اشتهر من السلف، و روي مرفوعا إلى النبي عليه السلام «إن ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن» [٤] لكن منهم من منع التفصيل بأن يقال إنه يريد الكفر و الظلم و الفسق كما في الخلق يقال، إنه خالق الكل، و لا يقال: خالق القاذورات و القردة و الخنازير، و خالفت المعتزلة في الشرور و القبائح، فزعموا أنه يريد من الكافر الإيمان، و إن لم يقع لا الكفر و إن وقع، و كذا يريد من الفاسق الطاعة لا الفسق، حتى أن أكثر ما يقع من العباد خلاف مراده. و الظاهر أنه لا يصبر على ذلك رئيس قرية من عباده.
حكى أنه دخل القاضي عبد الجبار [٥] دارا للصاحب بن عباد فرأى الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائني. فقال «سبحان من تنزه عن الفحشاء». فقال الأستاذ على الفور «سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء» و التقصي عن ذلك [٦]، بأنه أراد من العباد الإيمان و الطاعة برغبتهم و اختيارهم، فلا عجز و لا نقيصة و لا مغلوبية له في عدم
[١] سورة الأنعام آية رقم ١٤٨.
[٢] سورة الذاريات آية رقم ٥٦.
[٣] سورة الإسراء آية رقم ٢٨.
[٤] الحديث رواه أبو داود في الأدب رقم ١٠١ بلفظ (لا قوة إلا باللّه ما شاء اللّه كان).
[٥] هو عبد الجبار بن أحمد الهمزاني أبو الحسين: قاض أصولي، كان شيخ المعتزلة في عصره، و هم يلقبونه قاضي القضاة، و لا يطلقون هذا اللقب على غيره، ولي القضاء بالري، و مات فيها عام ٤١٥ ه له تصانيف كثيرة منها تنزيه القرآن عن المطاعن (و الأصول الخمسة) (و المغني في التوحيد).
لسان الميزان ٣: ٣٨٦ و تاريخ بغداد ١١: ١١٣.
[٦] في (ب) المفضى.