شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٩
جعل الأدلة السمعية على هذا المطلوب أنواعا باعتبار خصوصيات تكون للبعض و منها دون البعض مثل الورود بلفظ الخلق لكل شيء، أو لعمل العبد خاصة أو بلفظ لجعل [١] أو الفعل أو بغير ذلك. فمن الوارد بلفظ الخلق قوله تعالى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [٢] تمدحا و استحقاقا للعبادة، فلا يصح الحمل على أنه خالق لبعض الأشياء كأفعال نفسه، لأن كل حيوان عندكم كذلك، بل يحمل على العموم فيدخل فيه أعمال العباد، و يخرج القديم بدليل العقل و القطع، بأن المتكلم لا يدخل في عموم مثل أكرمت كل من دخل الدار فيكون بمنزلة الاستثناء، فلا يخل بقطعية العام عند من يقول بكونه قطعيا، و كذا قوله تعالى أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [٣] تمسكا بالعموم و بأنه إذا جعل كخلقه في موضع المصدر كما هو الظاهر، فقد يفيد [٤] خلق كل أحد مثل خلقه في الجملة- و قوله تعالى وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [٥] تمسكا بالعموم و بأن قوله «و خلق كل شيء» إزالة لما يتوهم من أن العبيد و إن لم يكونوا شركاء له في الملك على الإطلاق لكنهم يخلقون بعض الأشياء و إلا لكان ذكره بعد نفي الشريك مستدركا قطعا. و قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [٦] أي خلقنا كل موجود ممكن من الممكنات بتقدير و قصد أو على مقدار مخصوص مطابق للغرض و المصلحة، و لإفادة هذا المعنى كان المختار نصب كل شيء، إذ لو رفع لتوهم أن خلقنا صفة و بتقدير خبر، و المعنى أن كل شيء خلقناه فهو بقدر، فلم يفد أن كل شيء مخلوق له، بل ربما أفاد أن من الأشياء [٧] ما لم يخلقه فليس بقدر. و بما أشرنا إليه من كون الشيء اسما للموجود، أو مقيدا به، اندفع ما قيل إنه لا بد من تقييد الشيء من مخلوق على تقدير النصب
[١] في (ب) الحبل بدلا من (الجعل).
[٢] سورة الأنعام آية رقم ١٠٢.
[٣] سورة الرعد آية رقم ١٦.
[٤] في (أ) بزيادة لفظ (يفيد).
[٥] سورة الفرقان آية رقم ٢.
[٦] سورة القمر آية رقم ٤٩.
[٧] في (أ) بزيادة حرف الجر (من).