شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣١
و أجيب عن الأول: بأن كلامنا في حصول المشيئة و الداعية التي يجب معه الفعل أو الترك و لا خفاء في أنه ليس بمشيئتنا و اختيارنا و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [١] و قوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [٢]. و لهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر، و إن كان في الحال الاختيار، و أن الإنسان مضطر في صورة مختار.
و عن الثاني: بأن للباري تعالى إرادة قديمة متعلقة في الأزل بأن يحدث الفعل في وقته، فلا يحتاج إلى مرجح آخر ليلزم التسلسل أو الانتهاء إلى ما ليس باختياره بخلاف إرادة العبد، فإنها حادثة يحدث تعلقها بالأفعال شيئا فشيئا، و يحتاج إلى دواعي مخصوصة متجددة من عند اللّه من غير اختيار للعبد فيها.
و عن الثالث: بأنه إلزام على المعتزلة القائلين بوجوب المرجح في الفعل الاختياري لا القائلين بأنه يجوز للقادر ترجيح المساوي بل المرجوح، فإن الهارب يتمكن من سلوك أحد الطريقين، و إن كان مساويا للآخر أو أصعب منه، و فيه نظر للقطع بأن ذلك لا يتصور إلا بداعية لا تكون بمشيئة العبد بل بمحض خلق اللّه تعالى. و حينئذ يجب الفعل، و لا يتمكن العبد من تركه، و لا نعني بالانتهاء إلى الجبر و الاضطرار سوى هذا و به يظهر الجواب عن الرابع.
الدليل الرابع
قال (الرابع) (معلوم اللّه تعالى من فعل العبد. أما وقوعه فيجب أو لا وقوعه فيمتنع، فلا يبقى في مكنة العبد، و إن كان ممكنا في نفسه.
فإن قيل: المعلوم وقوعه بقدرة العبد و اختياره.
قلنا: فيجب ذلك و يعود المحذور و نوقض بفعل الباري).
[١] سورة الإنسان آية رقم ٢٠.
[٢] سورة النساء آية رقم ٧٨.