شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٠
باطل لأن رجحان الفعل على الترك، إما أن يتوقف على مرجح أو لا. فعلى الثاني يلزم رجحان أحد طرفي الممكن بلا مرجح، و ينسد باب إثبات [١] الصانع، و يكون وقوع الفعل بدلا عن الترك محض الاتفاق من غير اختيار للعبد [٢]، و على الأول: إن كان ذلك المرجح من العبد ينقل الكلام إلى صدوره عنه فيلزم التسلسل و هو محال، أو الانتهاء إلى مرجح لا يكون منه، و إذا كان المرجح ابتداء أو بالآخرة لا من العبد بل من غيره، ثبت عدم استقلال العبد بالفعل، و عدم تمكنه من الترك، لأن الترك لم يجز وقوعه مع التساوي، فكيف مع المرجوحية، و لأن وجود الممكن ما لم ينته رجحانه إلى حد الوجوب لم يتحقق على ما مر، و لا يخفى أن هذا إنما يفيد إلزام المعتزلة القائلين باستقلال العبد، و استناد الفعل إلى قدرته و اختياره من غير جبر، و لا يفيد أن العبد ليس بموجد لأفعاله.
و للمعتزلة هاهنا اعتراضات أحدها أن ما ذكرتم استدلال في مقابلة الضرورة فلا يستحق الجواب، و ذلك لأنا نعلم بالضرورة أن لنا مكنة و اختيارا، و أنا إن شئنا الفعل فعلنا، و إن شئنا الترك تركنا.
و ثانيها: أنه جار في فعل الباري فيلزم أن يكون موجبا لا مختارا، و ذلك لأن جميع ما لا بد منه في إيجاد العالم إن كان حاصلا في الأزل، لزم قدم العالم و صدوره عن الباري بطريق الوجوب من غير تمكن من الترك لامتناع التخلف عن تمام العلة، و إن لم يكن حاصلا ينتقل الكلام إلى حدوث الأمر الذي لا بد منه و لا يتسلسل بل ينتهي إلى أمر أزلي يلزم معه المؤثر و يعود المحذور.
و ثالثها: أن ترجيح المختار أحد المتساويين جائز كما في طريقي الهارب، و قد حي العطشان لأن الإرادة صفة شأنها الترجيح و التخصيص من غير احتياج إلى مرجح، و إنما المحال الترجح بلا مرجح.
و رابعها: أن المرجح الذي لا يكون من العبد هو تعلق الإرادة و خلوص الداعي، و وجوب الفعل معه لا ينافي الاختيار و التمكن من الفعل و الترك بالنظر إلى القدرة.
[١] في (أ) بزيادة لفظ (إثبات).
[٢] في (أ) بزيادة لفظ (للعبد)