شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢٣
المبحث الأول في خلق أفعال العباد أولها: في خلق أفعال العباد [١] بمعنى أنه هل من جملة أفعال اللّه تعالى خلق الأفعال الاختيارية التي للعباد؟ بل لسائر الأحياء مع الاتفاق على أنها أفعالهم لا أفعاله، إذ القائم و القاعد و الآكل و الشارب و غير ذلك هو الإنسان مثلا، و إن كان الفعل مخلوقا للّه تعالى، فإن الفعل إنما يستند حقيقة إلى من قام به لا إلى من أوجده، ألا ترى أن الأبيض مثلا هو الجسم، و إن كان البياض بخلق اللّه و إيجاده، و لا عجب في خفاء هذا المعنى على عوام القدرية و جهّالهم، حتى شنعوا به على أهل الحق في الأسواق، و إنما العجب خفاؤه على خواصهم و علمائهم حتى سودوا به الصحائف و الأوراق، و بهذا يظهر أن تمسكهم بما ورد في الكتاب و السنة من إسناد الأفعال إلى العباد لا يثبت المدعى و هو كون فعل العبد واقعا بقدرته مخلوقا له و تحرير المبحث على ما هو في المواقف [٢]. إن فعل العبد واقع عندنا بقدرة اللّه وحدها. و عند المعتزلة بقدرة العبد وحدها، و عند الأستاذ بمجموع القدرتين على أن يتعلقا جميعا بأصل الفعل، و عند القاضي على أن تتعلق قدرة اللّه تعالى بأصل الفعل، و قدرة العبد بكونه طاعة أو معصية. و عند الحكماء بقدرة يخلقها اللّه تعالى في العبد، و لا نزاع للمعتزلة في أن قدرة العبد مخلوقة للّه تعالى و شاع في كلامهم أنه خالق القوى و القدر، فلا يمتاز مذهبهم عن مذهب الحكماء، و لا يفيد ما أشار إليه في المواقف من أن المؤثر عندهم قدرة العبد. و عند الحكماء مجموع القدرتين [٣] على أن تتعلق قدرة اللّه بقدرة العبد
[١] راجع مقدمة خلق أفعال العباد للإمام البخاري تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة. الطبعة الثانية مطبعة دار عكاظ بالرياض و أيضا ما كتبه الإمام البخاري في كتابه هذا النفيس حيث جلى القضية بالكامل.
[٢] عبارة صاحب المواقف: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه و تعالى وحدها و ليس لقدرتهم تأثير فيها بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة و اختيارا. الجزء ٨ المرصد السادس ص ١٤٥ و ما بعدها.
[٣] في (أ) بزيادة: مجموع القدرتين.