شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٠١
٤- الشبهة الرابعة
(قال:
قوله تعالى: لا تدركه الأبصار. فإن إدراك البصر هو الرؤية أو لازمها و قد نفى على سبيل العموم لأن اللائق بالمقام و الشائع في الاستعمال في مثل عموم السلب بإسناد النفي إلى الكل لا سلب العموم بنفي الإسناد إلى الكل ثم يبقى الكلام للتمدح بذلك فيكون نفيه نقيصة فيمتنع قلنا لو سلم العموم في الأشخاص و الأوقات فإدراك البصر رؤية على وجه إحاطة بجوانب المرئي أو انطباع الشبح في العين لما في اللفظ من معنى النيل و الوصول آخذا من أدركت فلانا إذا لحقته [١] فلا يلزم من نفيه نفي الرؤية و لا كونها نقصا لتمتنع).
- قوله- الرابع: هذه هي الشبهة السمعية و أقواها قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [٢] و التمسك به من وجهين:
أحدهما: أن إدراك البصر عبارة شائعة في الإدراك بالبصر إسنادا إلى الآلة، و الإدراك بالبصر هو الرؤية بمعنى اتحاد المفهومين أو تلازمهما بشهادة النقل عن أئمة اللغة، و التتبع لموارد الاستعمال، و القطع بامتناع إثبات أحدهما و نفي الآخر مثل:
أدركت القمر ببصري و ما رأيته، و الجمع المعرف باللام عند عدم قرينة العهد و البعضية للعموم و الاستغراق بإجماع أهل العربية و الأصول، و أئمة التفسير و بشهادة
[١] في (ج) إذا (تحققه).
[٢] سورة الأنعام آية رقم ١٠٣ و يقول الفخر الرازي: المراد بالإبصار في هذا ليس هو نفس الأبصار فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله:
لا تدركه الابصار هو أنه لا يدركه المبصرون، و إذا كان كذلك كان قوله: وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ المراد منه: هو يدرك المبصرون و معتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله: و هو يدرك الأبصار: يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه و إذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته و كان تعالى يرى نفسه، و كل من قال: إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامة. راجع مفاتيح الغيب ج ٤ ص ١٦٩.