شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٥
لكن الاتصاف: أنه لا يفيد القطع، و لا ينفي الاحتمال.
و منه قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [١] حقر شأن الكفار و خصهم بكونهم محجوبين. فكأن المؤمنين غير محجوبين و هو معنى الرؤية و الحمل على كونهم محجوبين عن ثوابه و كرامته خلاف الظاهر و منه قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ [٢] فسر جمهور أئمة أهل التفسير [٣] الحسنى بالجنة، و الزيادة بالرؤية على ما ورد في الخبر كما سيجيء [٤]. و هو لا ينافي ما ذكره البعض من أن الحسنى هي الجزاء المستحق، و الزيادة هي الفضل.
فإن قيل: الرؤية أصل الكرامات و أعظمها فكيف يعبر عنها بالزيادة ...؟
قلنا: للتنبيه على أنها أجل من أن تعد في الحسنات و في أجزئة الأعمال الصالحات. و النص من السنة قوله عليه الصلاة و السلام «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [٥] و منها ما روي عن صهيب أنه قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ [٦] قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة، و أهل النار النار نادى مناديا أهل الجنة إن لكم عند اللّه موعدا يشتهي أن ينجزكموه. قالوا: ما هذا الموعد ..؟ أ لم يثقل موازيننا، و ينضر وجوهنا، و يدخلنا الجنة، و يخرجنا من النار. قال فيرفع الحجاب، فينظرون إلى وجه اللّه عز و جل فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر» [٧] و منها قوله عليه الصلاة و السلام «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه و أزواجه و نعيمه و خدمه و سروره مسيرة ألف سنة و أكرمهم على اللّه تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة و عشية» [٨] ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [٩].
و قد صحح هذه الأحاديث من توثق به من أئمة الحديث إلا أنها أخبار [١٠] آحاد
[١] سورة المطففين آية رقم ١٥.
[٢] سورة يونس آية رقم ٢٦.
[٣] في (ب) بزيادة لفظ (أهل).
[٤] في (ب) على ما بدلا من (كما سيجيء).
[٥] سبق تخريج هذا الحديث.
[٦] سورة يونس آية رقم ٢٦.
[٧] الحديث رواه أحمد بن حنبل في مسنده: ٢: ٤٢٢، ٣: ٩.
[٨] الحديث رواه أحمد بن حنبل في مسنده ٢: ١٢.
[٩] سورة القيامة آية رقم ٢٢، ٢٣.
[١٠] في (أ) بزيادة لفظ (أخبار).