شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٤
و لو سلّم، فالنظر الموصول (بإلى) ليس بمعنى الرؤية، و لا ملزوما لها [١] لاتصافه بما لم تتصف به الرؤية مثل الشدة و الازورار و الرضى و التحيز و الذل و الخشوع و لتحققه مع انتفاء الرؤية مثل: نظرت إلى الهلال فلم اره.
قال اللّه تعالى وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [٢] و جعله مجازا عن الرؤية ليس بأولى من حمله على حذف المضاف أي ناظرة إلى ثواب ربها على ما ذكره علي [٣] رضي اللّه عنه، و كثير من المفسرين.
و بالجملة: فلا خفاء في أن ما ذكرنا احتمالات تدفع الاحتجاج بالآية.
و أجيب: بأن سوق الآية لبشارة المؤمنين، و بيان أنهم يومئذ في غاية الفرح و السرور، و الإخبار بانتظارهم النعمة و الثواب لا يلائم ذلك، بل ربما ينافيه، لأن الانتظار موت أحمر، فهو بالغم و الحزن و القلق و ضيق الصدر أجدر، و إن كان مع القطع بالحصول على أن كون (إلى) اسما بمعنى النعمة لو ثبت في اللغة فلا خفاء في بعده و غرابته و إخلاله بالفهم عند تعلق النظر به، و لهذا لم يحمل الآية عليه [٤] أحد من أئمة التفسير في القرن الأول و الثاني بل أجمعوا على خلافه: و كون النظر الموصول (بإلى) سيما المستند إلى الوجه بمعنى الانتظار مما لم يثبت عن الثقات و لم تدل عليه الآيات لجواز أن يحمل على تقليب الحدقة بتأويلات لا تخفى. و أما اعتبار حذف المضاف فعدول عن الحقيقة أو المجاز المشهور في [٥] الحذف الذي لا يظهر فيه قرينة تعيين المحذوف، و تمام الكلام في الإشكالات الموردة من قبل المعتزلة على الاحتجاج بالآية. و التقصّي عنها من قبل أهل الحق مذكور في نهاية العقول [٦] للإمام الرازي.
[١] في (أ) بزيادة لفظ (لها).
[٢] سورة الأعراف آية رقم ١٩٨.
[٣] هو الإمام علي بن ابي طالب بن عبد المطلب الهاشميّ أبو الحسن أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين بالجنة، و ابن عم النبي- صلى اللّه عليه و سلّم و صهره، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان- رضي اللّه عنه. و قتل عام ٤٠ ه رضي اللّه عنه.
[٤] في (أ) بزيادة لفظ (عليه).
[٥] في (ب) إلى بدلا من (في).
[٦] الكتاب يسمى نهاية العقول في الكلام في دراية الأصول- يعني أصول الدين: للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ ه رتبه على عشرين أصلا راجع كتاب كشف الظنون ج ٢ ص ١٩٨٨.