شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨٤
و إلا لم يفد الطلب و الجواب لأنهم و إن سمعوا الجواب فهو المخبر بأنه كلام اللّه تعالى.
و المعتزلة تحيروا [١] في هذا المقام، فزعموا تارة أنهم كانوا مؤمنين، لكن لم يعلموا مسألة الرؤية، و ظنوا جوازها عند سماع الكلام. و اختار موسى عليه السلام في الرد عليهم طريق السؤال و الجواب من اللّه ليكون أوثق عندهم و أهدى إلى الحق، و تارة أنهم لم يكونوا مؤمنين حق الإيمان، و لا كافرين، بل مستدلين، أو فاسقين أو مقلدين. فاقترحوا ما اقترحوا، و أجيبوا بما أجيبوا، و أضاف موسى عليه السلام الرؤية إلى نفسه دونهم لئلا يبقى لهم عذر، و لا يقولوا لو سألها لنفسه لرآه لعلو قدره عند اللّه تعالى، و كل ذلك خبط، لأن السائلين القائلين: لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة، لم يكونوا مؤمنين، و لا حاضرين عند سؤال الرؤية ليسمعوا جواب اللّه تعالى، و إنما الحاضرون هم السبعون المختارون و لا يتصور منهم عدم تصديق موسى عليه الصلاة و السلام في الإخبار بامتناع الرؤية، و لا فائدة للسؤال بحضرتهم على تقدير امتناع الرؤية، إلا أن يطلعوا فيخبروا السائلين، و لا شك أنهم إذا لم يقبلوه من موسى مع تأيده بالمعجزات فمن السبعين أولى.
الرابع: أنه سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد دليل العقل و السمع كما في طلب ابراهيم عليه السلام أنه يريه كيفية إحياء الموتى و ردّ بأن هذا لا ينبغي أن يكون بطريق طلب المحال الموهم لجهله بما يعرفه آحاد المعتزلة.
الخامس: إن معرفة اللّه تعالى لا تتوقف على العلم بمسألة الرؤية، فيجوز أن يكون لاشتغاله [٢] بسائر العلوم و الوظائف الشرعية لم تخطر بباله هذه المسألة حين سألوها منه، فطلب العلم ثم تاب عن تركه طريقة الاستدلال أو خطر بباله، و كان ناظرا فيها طالبا للحق، فاجترءوا على السؤال ليتبين له جلية [٣] الحال، و هذا تعبير
[١] في (ب) تجوزوا بدلا من (تحيروا).
[٢] في (ب) لاشتغلاله بدلا من (اشتغاله).
[٣] في (ب) جيلة بدلا من (جلية).