شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٨١
المبحث الأول في رؤيته تعالى في الآخرة
ذهب أهل السنة إلى أن اللّه تعالى يجوز أن يرى و أن المؤمنين في الجنة يرونه منزها عن المقابلة و الجهة و المكان، و خالفهم في ذلك جميع الفرق، فإن المشبهة و الكرامية، إنما يقولون: برؤيته في الجهة و المكان لكونه عندهم جسما تعالى عن ذلك، و لا نزاع للمخالفين في جواز الانكشاف التام العلمي و لا لنا في امتناع ارتسام صورة من المرئي في العين، أو اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي، أو حالة إدراكية مستلزمة لذلك. و إنما محل [١] النزاع أنا إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم كان نوعا من المعرفة، ثم إذا أبصرناها و غمضنا العين كان نوعا آخر فوق الأول، ثم أنا [٢] إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأولين نسميها الرؤية و لا تتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة و مكان فمثل هذه الحالة الإدراكية هل تصح أن تقع بدون المقابلة و الجهة؟ و أن تتعلق بذات اللّه تعالى منزها عن الجهة و المكان؟ و لم يقتصر الأصحاب على أدلة الوقوع مع أنها تفيد الإمكان أيضا لأنها سمعيات ربما يدفعها الخصم بمنع امكان المطلوب، فاحتاجوا إلى إثبات [٣] الإمكان أولا و الوقوع ثانيا. و لم يكتفوا بما يقال: الأصل في الشيء سيما فيما ورد به الشرع هو الإمكان ما لم يزد عنه [٤] الضرورة أو البرهان. فمن ادعى الامتناع فعليه البيان لأن هذا إنما يحسن في مقام النظر و الاستدلال دون المناظرة و الاحتجاج.
فإن قيل: المعول عليه من أدلة الإمكان أيضا سمعي، لأن إحدى مقدمتيه و هو
[١] سقط من (ب) لفظ (محل).
[٢] في (ب) بزيادة لفظ (أنا).
[٣] في (ب) بيان بدلا من (إثبات).
[٤] في (ب) لم يرد بدلا من (يزد).