شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٤٥
الذي كتب به القرآن، فانتظم حروفا و رقوما هو بعينه كلام اللّه تعالى، و قد صار قديما، بعد ما كان حادثا، و لما رأت الكرامية أن بعض الشر أهون من البعض، و أن مخالفة الضرورة أشنع من مخالفة الدليل، ذهبوا إلى أن المنتظم من الحروف المسموعة مع حدوثه قائم بذات اللّه تعالى، و أنه قول اللّه تعالى لا كلامه، و إنما كلامه قدرته على التكلم و هو قديم، و قوله حادث لا محدث، و فرقوا بينهما، بأن كل ما له ابتداء إن كان قائما بالذات فهو حادث بالقدرة غير محدث، و إن كان مباينا للذات فهو محدث بقوله كن لا بالقدرة، و المعتزلة لما قطعوا بأنه المنتظم من الحروف، و أنه حادث، و الحادث لا يقوم بذات اللّه تعالى. ذهبوا إلى أن [١] معنى كونه متكلما أنه خلق الكلام في بعض الأجسام، و احترز بعضهم عن إطلاق لفظ المخلوق عليه لما فيه من إيهام الخلق [٢] و الافتراء، و جوزه الجمهور ثم المختار عندهم، و هو مذهب أبي هاشم [٣] و من تبعه من المتأخرين أنه من جنس الأصوات و الحروف، و لا يحتمل البقاء حتى إن ما خلق مرقوما [٤] في اللوح المحفوظ أو كتب في المصحف لا يكون قرآنا، و إنما القرآن ما قرأه القارئ، و خلقه الباري من الأصوات المتقطعة و الحروف المنتظمة، و ذهب الجبائيّ إلى أنه من جنس غير الحروف تسمع عند سماع الأصوات، و توجد بنظم الحروف، و بكتبها، و يبقى عند المكتوب و الحفظ، و يقوم باللوح المحفوظ و بكل مصحف، و كل لسان، و مع هذا فهو واحد لا يزداد بازدياد المصاحف، و لا ينقص بنقصانها، و لا يبطل ببطلانها.
و الحاصل أنه انتظم من المقدمات القطعية و المشهورة قياسان ينتج أحدهما: قدم كلام اللّه تعالى. و هو أنه من صفات اللّه تعالى، و هي قديمة. و الآخر حدوثه، و هو أنه من جنس الأصوات و هي حادثة، فاضطر القوم إلى القدح في أحد القياسين، و منع
[١] سقط من (ب) حرف (أن)
[٢] في (ب) الخلف بدلا من (الخلق).
[٣] هو: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ من أبناء أبان مواي عثمان من كبار المعتزلة له آراء انفرد بها و تبعته فرقة سميت (البهشمية) نسبة إلى كنية أبي هاشم و له مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله توفي سنة ٣٢١ ه.
راجع المقريزي ٢: ٣٤٨، و وفيات الأعيان ١: ٢٩٢ و البداية و النهاية ١١: ١٧٦
[٤] في (ب) برقومة بدلا من (مرقوما).