شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٣٥
قالوا: و هو العلم أو الاعتقاد أو الظن باشتمال الفعل و الترك على المصلحة و لما امتنع في حق الباري تعالى الظن، و الاعتقاد كان الداعي في حقه تعالى، الداعي هو العلم بالمصلحة، و احتجوا بأن الإرادة فعل المريد قطعا و اتفاقا. يقال فلان يريد هذا، و يكره ذاك، و لهذا يمدح بها، و يذم و يثاب عليها و يعاقب.
قال اللّه تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [١].
و قال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [٢].
فهذا الفعل لو كان غير الداعي لكان للفاعل شعور به ضرورة أن الفاعل هو المؤثر بالشيء بالقصد و الاختيار، و ذلك لا يكون إلا بعد الشعور لكن اللازم باطل، لأنا لا نشعر عند الفعل أو الترك بمرجح سوى الداعي الخالص، أو المترجح على الصافي.
و الجواب: أنه إن أريد بكونها فعلا للمريد مجرد استنادها إليه، كما في قولنا:
فلان يقدر على كذا، و يعجز عن كذا، فهذا لا يقتضي كونه أثرا صادرا عنه بالقصد و الاختيار ليلزم الشعور به، و إن أريد أنه أثر له بطريق القصد و الاختيار فممنوع، و لا يبعد دعوى الاتفاق على نقيض ذلك.
كيف و لو كان كذلك لاحتاجت إلى إرادة أخرى و تسلسلت ثم [٣] ترتب الثواب و العقاب على الإرادة إنما هو باعتبار ما يلزمها من الأفعال، أو تحصيل الدواعي، أو نفي الصوارف أو نحو ذلك مما للقصد فيه مدخل، و اما المدح و الذم على الشيء فلا يقتضيان كونه فعلا اختياريا و هو ظاهر. ثم لا نسلم أنه لا شعور لنا بمرجح سوى الداعي بمعنى اعتقاد المصلحة و المنفعة، بل نجد من أنفسنا حالة ميلانية منبعثة عن
[١] سورة الأنفال آية رقم ٦٧، و لقد جاءت هذه الآية محرفة في الأصل حيث ذكرت: ثواب الدنيا بدلا من: تريدون عرض الدنيا.
[٢] سورة آل عمران آية رقم ١٥٢.
[٣] سقط من (ب) لفظ (ثم).