شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٣٠
بمثل ما مرّ في العلم و القدرة، و قد يرد هاهنا إشكالات:
الأول: أن نسبة الإرادة أيضا إلى الفعل و الترك و إلى جميع الأوقات على السواء، إذ لو لم يجز تعلقها بالطرف الآخر، و في الوقت الآخر لزم نفس القدرة و الاختيار، و إذا كانت على السواء فتعلقها بالفعل دون الترك، و في هذا الوقت، دون غيره، يفتقر إلى مرجح و مخصص [١] لامتناع وقوع الممكن بلا مرجح كما ذكرتم، و يلزم تسلسل الإرادات.
و الجواب: أنها إنما [٢] تتعلق بالمراد لذاتها من غير افتقار إلى مرجح آخر لأنها صفة شأنها التخصيص و الترجيح، و لو للمساوي، بل المرجوح، و ليس هذا من وجود الممكن بلا موجد، و ترجيحه بلا مرجح في شيء.
فإن قيل: مع تعلق الإرادة لا يبقى [٣] التمكن من الترك و ينتفي [٤] الاختيار.
قلنا: قد مرّ [٥] غير مرة أن الوجوب بالاختيار محض الاختيار.
الثاني: أن الإرادة لا تبقى بعد الإيجاد ضرورة، فيلزم زوال القديم و هو محال.
و الجواب: أنها صفة قد تتعلق بالفعل، و قد تتعلق بالترك، فيخصص ما تعلقت به و يرجحه، و عند وقوع المراد يزول تعلقها الحادث، و بهذا يندفع ما يقال: إنها لا تكون بدون المراد فيلزم من قدمها قدم المراد، فيلزم قدم العالم على أن قدم المراد لا يوجب قدم العالم، لأن معناه: أن يريد اللّه تعالى في الأزل إيجاد العالم و إحداثه في وقته، و يشكل بإيجاد الزمان، إلا أن يجعل أمرا مقدورا لا تحقق له في الأعيان.
فإن قيل: نحن نردد في الأثر الذي هو المراد كالعالم مثلا، بأنه إما لازم للإرادة فيلزم قدمه أو لا فيكون مع الإرادة جائز الوجود و العدم، فلا تكون الإرادة مرجحة.
قلنا: هو جائز الوجود و العدم بالنظر إلى نفس الإرادة، و أما مع تعلقها بالوجود،
[١] في (ب) تخصص بدلا من (مخصص).
[٢] في (أ) بزيادة لفظ (إنما).
[٣] في (ب) لا ينفي بدلا من (لا يبقى).
[٤] في (ب) و يتعين بدلا من (و ينتفي).
[٥] في (ب) قدم و هو تحريف.