دفاع عن التّشيّع - نذير الحسني - الصفحة ٤٦
الفقه والتشريع، ليسقط دعواها في الاعلمية من الاساس، أو يعرّضهم إلى شيء من الامتحان في الاخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة. وإذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم، نتيجة دربه ومعاناته، فما هو الشأن في ابن عشرين عاماً أو ابن ثمان، فهل تملك الوسائل الطبيعيّة تعليلاً لتمثّلهم لذلك كلّه. ولو كان هؤلاء الائمّة في زوايا أو تكايا، وكانوا محجوبين عن الرأي العام كما هو الشأن في أئمّة الاسماعيليّة، أو بعض الفرق الباطنيّة، لكان لاضفاء الغموض والمناقبيّة على سلوكهم من الاتّباع مجال، ولكن ما نصنع وهم مصحرون بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم، اتجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر، والتأريخ حافل بمواقف السلطة منهم ومحاربتها لافكارهم، وتعريضهم لمختلف وسائل الاغراء والاختبار، ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المختلفة وسجّلها بإكبار. ولقد حدّث المؤرّخون عن كثير من هذه المواقف المحرجة، وبخاصّة مع الامام الجواد، مستغلّين صغر سنّه عند تولّي الامامة. وحتّى لو افترضنا سكوت التأريخ عن هذه الظاهرة، فإنّ من غير الطبيعي أن لا تحدث أكثر من مرّة، تبعاً لتكرر الحاجة إليها، وبخاصّة أنّ المعارضة كانت على أشدّها في العصور العبّاسيّة.
وطريقة إعلان فضيحتهم بإحراج أئمّتهم فيما يدّعونه من علم واستقامة سلوك، وإبراز سخفهم لاحتضانهم أئمّة بهذا السنّ وهذا المستوى لو أمكن ذلك، أيسر بكثير من تعريض الاُمّة إلى حروب قد يكون الخليفة نفسه من ضحاياها، أو تعريض هؤلاء الائمّة إلى السجون والمراقبة أو المجاملة أحياناً... وإذا كان للصدفة ـ وهي مستحيلة ـ مجالها في امتحان ما، بالنسبة إلى شخص ما، فليس لها موقع بالنسبة إليه في مختلف المجالات، فضلاً عن تكرّرها بالنسبة إلى جميع الائمّة، صغارهم وكبارهم، كما يحدّث في ذلك التأريخ. وأظنّ أنّ في هذه الاعتبارات التي ذكرناها مجتمعة ما يغني عن استيعاب كلّ ما ذكر في تشخيص المراد من أهل البيت)[١].
[١]الاُصول العامّة للفقه المقارن: ص ١٨٢.