دفاع عن التّشيّع - نذير الحسني - الصفحة ٣٠٢
إذن، إذا كانت الشورى كنظرة سياسيّة غائبة فضلاً عن كونها نظريّة سياسيّة، فلماذا طرحها عمر للساحة؟ ولماذا أكّدها وشدّد عليها بقوله: (فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعة تغرّةً أن يُقتلا)، كلّ ذلك يبين لنا أنّ الخليفة الثاني كان يعيش أزمة، وكان خائفاً من شيء يدور خلف الكواليس، فما هو هذا الشيء الذي سبَّب أرق الخليفة الثاني في مسألة الخلافة ياترى؟
أجاب على ذلك ابن حجر العسقلاني عندما ذكر أنّ عبدالرحمن بن عوف جاء إلى ابن عباس في موسم الحجّ، وكان يتعلّم عنده القرآن، فقال له: (لو سمعت ما قاله أمير المؤمنين ـ يعني عمر بن الخطّاب ـ إذ بلغه أنّ فلاناً قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً، فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة[١]. فهمَّ عمر أن يخطب الناس ردّاً على هذا القول، فنهيته لاجتماع الناس كلّهم في الحجّ، وقلت له: إذا عدت المدينة فقل هناك ما تريد، فإنّه أبعد عن إثارة الشغب.... فلمّا رجعوا من الحجّ إلى المدينة، قام عمر في خطبته فقال: لا يفترنّ امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وتمت، ألا إنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرّها! فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّةً أن يُقتلا)[٢].
إذن، هذا الكلام الاخير الذي تناقلته كتب الحديث والتاريخ السنيّة، والذي سنّ فيه الخليفة الثاني مبدأ الشورى كنظرية سياسيّة، كان ردّاً على فلان الذي قال: (لو مات عمر لبايعت فلاناً)[٣].
وهنا يبرز سؤال، من هو فلان القائل؟ ومن هو فلان الذي إذا مات عمر يبايعه القائل؟
أمّا القائل: (لو مات عمر لبايعت فلاناً)، فقد صرّح به ابن حجر العسقلاني بقوله:
[١]فتح الباري: ج ١٤، ص ١٠٩، باب ٣١; ارشاد الساري: ج ١٤، ص ٣٣٩، كتاب الحدود، باب ٣٠.
[٢]صحيح البخاري: كتاب المحاربين من أهل الردّة والكفر، باب رجم الحبلى من الزنا، ح ٦٤٤٢; مسند أحمد: ج ١، ص ٥٦، ح ٣٩٣; سيرة ابن هشام: ج ٤، ص ٣٠٨ ـ ٣٠٩; تاريخ الطبري: ج ٢، ص ٤٤٦.
[٣]إرشاد الساري: ج ١٤، ص ٣٣٩، كتاب الحدود، باب ٣٠.