دفاع عن التّشيّع - نذير الحسني - الصفحة ١٨
وهذه الامامة التي ثبتت لابراهيم (عليه السلام) طلبها لذريّته من بعده، حيث قال: (ومن ذرّيّتي) وقد استجاب الحقّ سبحانه دعاءه، ولكن لم يجعلها في الظالمين من ذريّته، وإنّما في غيرهم. يقول الرازي في ذيل هذه الاية: "وقوله: (ومن ذرّيتي) طلب للامامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الامامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الاية كأنّه تعالى قال: (لا ينال الامامة الظالمين، وكل عاص فإنّه ظالم لنفسه) فكانت الاية دالّة على ما قلناه.
فإن قيل: ظاهر الاية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً، ولا يصح ذلك في الائمّة والقضاة.
قلنا: أمّا الشيعة، فيستدلّون بهذه الاية على صحّة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً. وأمّا نحن فنقول: مقتضى الاية ذلك. إلاّ أنّا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العادلة الظاهرة معتبرة"[١].
لكن لم يبيّن لنا الرازي، لماذا ترك ما دلّت عليه الاية من وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، واكتفى بالعدالة الظاهريّة، مع اعترافه بدلالة الاية على ذلك، وكيف كان (ستكتب شهادتهم ويسألون)[٢].
ومن الواضح أنّ استجابة دعائه في ذريّته، لا يختص بالصلبيين فقط، بل هو شامل لجميع ذريّته شريطة أن لا يكون ظالماً. وهذا ما أكّده الامام الرضا (عليه السلام) بقوله: "أنّ الامامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: (إنّي جاعلك للناس إماماً)، فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها: (ومن ذرّيّتي) قال الله تبارك وتعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)فأبطلت هذه الاية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريّته أهل الصفوة والطهارة، فقال: (ووهبنا له إسحـق ويعقوب نافلة كلاًّ جعلنا صالحين وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة
[١]التفسير الكبير: ج ٤، ص ٤٢.
[٢]الزخرف: ١٩.