دفاع عن التّشيّع - نذير الحسني - الصفحة ٣٥٨
الناس إذا مات العالم ألاّ يعرفوا الذي بعده؟ فقال: الامام (عليه السلام): "أمّا أهل هذه البلدة ـ يعني المدينة ـ فلا وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم"[١].
إذن، القسم الاوّل يعرفون الامام جيّداً، وعدم معرفتهم في بعض الحالات ليس بالامام كما اشتبه أحمد الكاتب، بل ببداية إمامته، كما نصّ الصادق على ذلك.
وأمّا القسم الثاني (من لم تؤنس منهم رشداً)، فهم عوام الشيعة، فاُولئك لا يستبعد منهم حتّى عدم معرفتهم بالامام، فضلاً عن بداية إمامته، لما يلزم من معرفتهم محذور ذبح الامام، كما نصّ على ذلك موسى بن جعفر (عليه السلام) [٢]، فهم يعرفون الامام من الشيوع العام، من دون امتلاك النص الصريح، لانّ معنى هذا الامتلاك تعريض الامام للخطر، وهذا ما صرّح به الصادق (عليه السلام) لعبد الاعلى عندما تكلّم الامام عن صفات صاحب الامر، فسأله عبد الاعلى: هل هذه الصفات مستورة مخافة السلطان؟ قال: "لا يكون في ستر إلاّ وله حجّة ظاهرة، إنّ أبي استودعني ما هناك فلمّا حضرته الوفاة قال: ادعُ لي شهوداً، فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبدالله بن عمر، قال: اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: (يَا بَنِىَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وأوصى محمّد بن علي إلى جعفر بن محمّد، وأمره أن يكفّنه في بُرده الذي كان يصلّي فيه الجمعة، وأن يعممه بعمامته وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، ثمّ يخلّي عنه، فقال: اطووه، ثمّ قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعدما انصرفوا: ما كان في هذا يا أبتِ أن يُشهد عليه؟ فقال: إنّي كرهت أن تغلب، وأن يقال أنّه لم يوصَ، فأردت أن تكون لك الحجّة، فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال من وصي فلان، قيل: فلان"[٣].
فالباقر (عليه السلام) وبتصريح الصادق (عليه السلام) يوضح إمامة ولده باُمور عامّة ـ أي بمجرّد الوصيّة ـ خشيةً عليه، ولكن هذا البيان ليس للجميع على حدٍّ سواء، بل للخاصّة
[١]الكافي: ج ١، ص ٤٤٢، باب ٨٩، ح ٣.
[٢]معجم رجال الحديث: ج ١٩، ص ٢٩٩ ـ ٣٠٠.
[٣]الكافي: ج ١، ص ٤٤٠، باب ٨٩، ح ٢.