دفاع عن التّشيّع - نذير الحسني - الصفحة ٣١٧
ويوضّح هذا الادّعاء، وهذا الاستخلاف، أنّ المسألة لم تكن شورى، بل هي نص إلهي على خلافة المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبثّ الامويّون دعاتهم في الامصار ليبلّغوا بهذا الدستور الاسلامي الصحيح الذي صرفوا مصاديقه وأبقوا المفهوم على حاله، يقول روح بن زنباع الجذامي لاهل المدينة حين أبطأوا عن بيعة يزيد: (إنّا لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكنّا ندعوكم إلى قريش ومن جعل الله له هذا الامر واختصّه به، وهو يزيد بن معاوية)[١].
فحرّف ابن زنباع مصاديق مفهوم النص والوصيّة; ليحوّل الشرعيّة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يزيد الذي كفّره القريب والبعيد.
واعترف أحمد الكاتب بهذا الفكر السياسي الاموي، وقال: (إنّ الامويين كانوا يقولون للمسلمين: إنّ الله اختارهم للخلافة وآتاهم الملك)[٢].
وراح الامويون يلصقون مفهوم العصمة بهم، وأطلق الحجّاج لقب المعصوم على عبدالملك بن مروان، وقال في رسالة وجهها إليه: (لعبد الله عبدالملك أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين، المؤيّد بالولاية، المعصوم من خطل القول وزلل الفعل بكفالة الله الواجبة لذوي أمره)[٣].
فالفكر السياسي الاموي قائم على مفاهيم الوصيّة والنص والعصمة من الله تعالى، لما لتلك المفاهيم من شرعيّة اكتسبتها من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
إذن، ليس للشورى نصيب في الفكر السياسي الاسلامي في عصوره الاُولى.
أمّا الفكر العبّاسي فكان يقوم على مفهوم النصّ والوصيّة من علي (عليه السلام) إلى ابنه محمّد بن الحنفيّة، وإلى أبي هاشم.
فكلّ تلك الافكار كانت مبنيّة على مفاهيم الولاية والنص والعصمة، فأين مبدأ الشورى الذي يقرّه أحمد الكاتب دستوراً للمسلمين؟ ولا يتوقّع أحد أنّ الامويين
[١]البيان والتبيين: ج ١، ص ٣٩٢.
[٢]أحمد الكاتب، تطوّر الفكر السياسي: ص ٤٧.
[٣]العقد الفريد: ج ٥، ص ٢٥.