الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٥٩ - ابن أبي في أحد كما في تبوك
من سائر الجهات، فأخبر عما رآه في تلك الساعة، ثم تناقله الرواة فيما بعد من دون ملاحظة ذلك.
و الذي نراه هو: أن الأمر كان كما ذكره هذا الراوي، و أن المنافقين كانوا بهذه الكثرة العظيمة، لأن أكثرهم قد اظهر الإسلام بعد فتح مكة، أي قبل مدة يسيرة من غزوة تبوك، فاقتضى ذلك نزول الآيات الكثيرة التي تؤنبهم على نفاقهم، و على ممارستهم الخبيثة التي تكاد تلحق أذى عظيما في الإسلام، فنزلت أكثر آيات سورة التوبة لمعالجة هذا الواقع، فنجحت المحاولات، و استعاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قسما كبيرا ممن تخلف، و بقيت طائفة منهم و هي أيضا طائفة كبيرة و خطيرة أيضا، و كانت تضمر للإسلام شرا، و لم يكن يمكن السيطرة عليها، و معالجة أمرها إلا بأمير المؤمنين «عليه السلام» أو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فخلّف «صلى اللّه عليه و آله» أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» ، و سار هو بالجيش الذي هيأه كما هو معلوم.
٣-لقد تعلل ابن أبي لرجوعه مع غيره من المنافقين بخوفه من بني الأصفر، و هم الروم. . و ببعد الشقة، و ثقل و خطورة المهمة، و بأنه يرى أن المسلمين سيتحولون إلى أسرى في يد أعدائهم. . مع أنه قد رأى من المعجزات على يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما لا يبقي عذرا لأحد في أي تخاذل عن نصرته. . لأن تلك المعجزات تضطره إلى الإيمان بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» متصل باللّه تبارك و تعالى. . فلا بد من إطاعته، ما دام أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
إنه قد رأى كيف انتصرت قلة قليلة من المسلمين على ما يفوقهم عددا بأضعاف كثيرة، و لم تكن غزوة مؤتة إلا حجة دامغة على كل منافق لا يؤمن