نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٢ - الإلهام والإشراق
وقال المحقق في شرحه: «إن نفوسهم الكاملة، وإن كانت في ظاهر الحال ملتحفة بجلابيب الأبدان، لكنها كأنْ قد خلعت تلك الجلابيب، وتجرّدت عن جميع الشوائب الماديّة، وخلصت إلى عالم القدس متصلة بتلك الذوات الكاملة البريئة من النقصان والشّر، ولهم أُمور خفية، وهي مشاهداتهم لما تعجز عن إدراكه الأوهام، وتكلّ عن بيانه الألسنة، وابتهاجاتهم بما لا عين رأت ولا أُذن سمعت»[١].
وقال الشيخ الرئيس في موضع آخر: «وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب، فأصاب، متقدِّماً ببشرى أو نذير، فصدِّق، ولا يتعسّرنّ عليك الإيمان به، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة»[٢].
ثم إنّ الشيخ الرئيس يصرِّح بأنّ النفوس القوية إذا كانت غالبة على الشواغل الحسيّة، تقدر على الاتّصال بعالم القدس، وتنتقش فيها صور ومعان من ذلك العالم، ثم يعود فيخبر بما أدرك. فكأنّ انغمار النفس في عالم الطبيعة، واشتغالها بالأُمور الحسيّة، يمنعها عن الاتّصال، يقول:
«كلما كانت النفس اقوى قوّة، كان انفعالها عن المحاكيات[٣] أقلّ، وكان ضبطها للجانبين أشدّ. وكلما كانت بالعكس، كان ذلك على العكس» [٤] .
وقد أشار صدر المتألهين إلى إمكان الإلهام والإشراق بوجه عام، بقوله:
«إنّ الروح الإنسانية إذا تجرّدت عن البدن مهاجرة إلى ربّها لمشاهدة آياته الكبرى، وتطهّرت عن المعاصي والشهوات والتعلّقات، لاح لها نور المعرفة والإيمان بالله وملكوته الأعلى. وهذا النور إذا تأكّد وتجوهر، كان جوهراً قدسياً يسمى عند الحكماء في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعّال، وفي لسان الشريعة النبوية بالروح القدسي.
[١] الإشارات مع شرحه، ج ٣، النمط التاسع في مقامات العارفين: ٣٦٣ ـ ٣٦٤ .
[٢] المصدر السابق: ٣٩٨ .
[٣] أي الشواغل الحسيّة.
[٤] المصدر السابق: ٤٠٦ .