نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٩ - النظرية الثانية تأثير الحكمة النظرية في العملية بنحو المقتضي
مثال آخر: يقول الإلهيون في مجال الحكمة العملية:
١. يجب معرفة الله .
٢. يجب إطاعته.
٣. يجب عبادته [١].
فهذه الواجبات الثلاثة عند الإلهي، ليست في وضوح: «العدل حَسَنٌ»، أو «إعمل لتعيش»، ولذلك يستدلّ عليها الإلهيون ويوضحونها بالبراهين .[٢]
ومن هنا يتبينّ أنّ الفرائض الأخلاقية والاجتماعية والسياسية إمّا واضحة بالذات يحكم العقل فيها بالوجوب والتحريم استقلالاً، وإمّا قضايا نظرية تنتهي إلى البديهية.
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى ما نحن فيه من تأثير القضايا النظرية في القضايا العملية على وجه المقتضي، فنقول:
إنّ دور الحكمة النظرية في استنتاج الآيديولوجيات، إنّما هو تعيين الموضوع، والتركيز على الصغرى، وأمّا الكبرى، فهي حكمة عملية، إمّا واضحة بالذات أو منتهية إلى ما هو واضح بالذات. ولنستوضح ذلك بمثال:
نقول: ـ الله، هو المنعم.
ـ وكل منعم، يجب شُكْرُه .
فنستنتج: الله، يجب شكره .
فالنتيجة حكمةٌ عملية، متوقفةٌ على صغرى وكبرى، ولا يمكن الإستنتاج بواحدة منهما فقط، بل لكلٍّ منهما دور في إبصار النتيجة نور الوجود.
فالصغرى حكمة نظرية تعطي الموضوع وتعيّنه. وهي تَثْبُت في ضوء
[١] الإطاعة أعم من العبادة، فالقيام ببعض المعنونات الشرعية في الحياة، كالمشي عن يمين الطرقات، طاعة لحكم الله تعالى، ولكنه ليس عبادة له، وقد أوضحنا ذلك في تقريراتنا لبحوث الأستاذ ـ دام ظله ـ في علم أصول الفقه، عند البحث في التعبدية والتوصلية.
[٢] سنذكر بعض براهين وجوب المعرفة في المقدمات الأصولية العامة، وسنذكر في «الإلهيات» أدلّة وجوب الطاعة والعبادة، في بحثي التوحيد في الطاعة والتوحيد في العبادة.