نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٣ - د برهان الصدّيقين
وأنّ للمادة بداية كما لها نهاية. ومن المعلوم أنّ الحدوث لا ينفك عن محدث، تبعاً لقانون العلية والمعلولية، فما هو المحدث للمادة؟ إنّه شيء غير المادة قطعاً، فهو شيء غيبي محيط بالمادة، وخصوصياتها .[١]
د. برهان الصدّيقين
هذا البرهان يختلف عمّا تقدم من البراهين اختلافاً جوهرياً. فإنّ ما سبق من البراهين، يشترك في توسيط الخلق بين الإنسان والغيب. ولكن هذا البرهان لا واسطة فيه، وإنّما يتوجه مباشرة إلى مطالعة الوجود ـ بما هو وجود ـ ليصل في النتيجة إلى أن هناك وجوداً واجباً، ينبع وجوده من ذاته.
وإنّما اختصّ العرفاء به، من بين سائر البراهين، لأنّهم قالوا: إنّ وجوده سبحانه أجلى من أن يستدلّ عليه بشيء من الممكنات والمخلوقات، فلا حاجة إلى شيء من هذه الوسائط، وقد قرروه بوجوه مختلفة تلاحظ في محلّها.[٢]
وفي بعض كلمات أهل بيت الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إشار إلى هذا النوع من الإستدلال:
ـ يقول الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ في دعاء الصباح: «يا من دلّ على ذاته بذاته»[٣].
ـ يقول الإمام الشهيد الحسين بن علي ـ عليهما السَّلام ـ في مناجاته يوم عرفة:
«كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!
[١] سيأتي في البحث في هذه البراهين الثلاثة بإسهاب في «الإلهيات»، فصل إثبات الصانع.
[٢] قد قرر هذا البرهان بوجوه: الأوّل ـ ما أشار إليه الشيخ الرئيس وهو معروف بالتقرير السينوي، لاحظ شرح الإشارات: ٣ / ١٨ و ٦٦. الثاني ـ ما أشار إليه صدر المتألهين والمعروف بالتقرير الصدرائي، لاحظ الأسفار: ٦ / ١٣ ـ ١٦. الثالث ـ ما ذكره الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار، لاحظ الموضع المذكور. الرابع ـ ما اعتمد عليه المؤسس العلامة الطباطبائي في تعاليقه على الأسفار (الموضع السابق) وأصول الفلسفة، ج ٥ .
[٣] بحار الأنوار: ١٨ / ٤٨٦ الباب ٦٦، الطبعة الحجرية.