نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٥ - ب ـ تبدل التغيرات الكمية إلى الكيفية
كميّ يحصل ببطء، والآخر تغيّر فجائي يحصل بصورة دفعية نتيجة للتغيرات الكمية المتدرجة، بمعنى أنّ التغيرات الكمية تبلغ إلى مرحلة تتغير فيها من الكمية إلى كيفية جديدة.
مثلاً: إنّ الماء عند تسخينه ترتفع درجة حرارته تدريجياً، ويحصل بسبب هذا الارتفاع التدريجي، تغيرات كمية بطيئة، حتّى إذا وصلت درجة حرارته إلى المائة، فينقلب في تلك اللحظة من حالة السيلان إلى البخارية، وتنقلب فجأة تلك التغيرات الكمية إلى حالة كيفية جديدة.
وهكذا في جانب البرودة، فإنّها لا تزال تنخفض شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى حدّ لا تقبل معه طبيعة الماء الانخفاض التدريجي في برودتها، فيتحول الماء فجأة إلى الجليد.
وقد أبدع هذا الأصل الفيلسوف الألماني «هيجل» (١٧٦١ ـ ١٨٣٦ م)، وقد استخدمته الفلسفة الديالكتيكية في توجيه نظرياتها الاجتماعية والفلسفية. وفي ظل هذا الأصل قالوا: يتبدّل النظام الإقطاعي إلى الرأسمالية، وهي إلى الاشتراكية. وفي المقام يفسّرون تبدل المعرفة الحسيّة إلى العقلية بأنّه من قبيل انتقال التبدلات الكمية إلى التبدلات الكيفية.[١]
يلاحظ عليه :
أوّلاً: إنّ هذا الأصل على فرض صحته، غير صحيح في مثال الماء المعروف عندهم. وذلك أنّ التبدلات الطارئة على الماء عند تزايد الحرارة إنّما هي من قبيل التبدلات الكيفية لا الكمية، لأنّ التبدلات الكمية الحاصلة في الماء عبارة عن تزايد الماء وتناقصه. وأمّا تصاعد السخونة فليس من تزايد الماء وتناقصه في شيء، ولهذا لا يكون من قبيل التبدلات الكمية، بل هو من التبدلات الكيفية، فكيف سمّى «هيجل» تصاعد السخونة بالتبدّل الكمي؟
ثم إنّ تبدّل الماء الحار إلى بخار ليس تبدّلاً كيفياً حاصلاً في الماء، بل البخار
[١] هذا الّذي ذكروه ناشئ من أحد أُصول الديالكتيك الّتي تبنّاها «هيجل»، ويعرف بـ «قفزات التطور» وستأتي الإشارة إليه وإلى سائر أصول الديالكتيك في الفصل الثاني عشر.