نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٩ - الدافع الثاني ـ تأثير الفلسفة الوضعية
وإذا كان الجوهر في التفاحة بهذه المنزلة، فالقضايا الفلسفية الّتي تعالج موضوعات ميتافيزيقيّة، ليست كلاماً مفهوماً، لعدم توفّر الشرط الأساسي للكلام المفهوم فيها، وهو إمكان وصف الظروف الّتي يعرف فيها صدق القضية أو كذبها. ولذلك لا يصحّ أن توصف القضية الفلسفية بصدق أو كذب.
يلاحظ عليه :
أولاً ـ إنّهم قد أخذوا موقفاً مسبقاً في معنى الواقعية، حيث فسّروها بعالم الحسّ والمادة، وزعموا أنّ كل ما له صورة في عالم الحسّ، فله واقعية يتمكن بها الإنسان من توصيف القضية بالصدق أو الكذب. وبعبارة أُخرى: له معطيات في حالة الصدق ومعطيات حالة الكذب.
وأمّا ما ليس له معطيات حسيّة، فلا يملك واقعية يتمكن بها الإنسان من الإذعان بصدقها أو كذبها.
ولكن هذا مصادرة على المطلوب، إذ لم يستدلوا بشيء على انحصار الواقعية بعالم الحسّ، وأنّه لولا تلك الصورة لما أمكن تصديق ولا تكذيب شيء من القضايا.
ولذلك، فلو قلنا بأنّ الواقعية ليست منحصرة بعالم الحسّ، بل هي أعمّ منه، وأنّ هناك مقاييس ومعايير أُخرى يتمكن بها الإنسان من توصيف القضايا بالصدق أو الكذب، فتكون محاولتهم فاشلة، إذ للإنسان أن يدرس القضايا الفلسفية في ضوء تلك المقاييس والمعايير، ويصفها بالصدق أو الكذب.
أجل، إنّ العالِم الميتافيزيقي يرى الواقعية أوسع ممّا ذكره الوضعيون، كما يرى المقاييس الّتي تُزَوِّدُ الإنسان بالمقدرة على وصف القضايا بالصدق أو الكذب، أعمّ من الحسّ. وقد عرفت فيما مضى أنّ من الطرق الرائجة عند العلماء ـ حتّى التجريبيين ـ الاستدلال بالآية على ذيها، وأنّ النُّظُم السائدة على الطبيعة بأسرها، آيات تعرب عن سيطرة قوة هائلة عظيمة على هذا العالم، من ذرّته إلى مجرّته .
وثانياً ـ لو اقتصرنا في توصيف القضايا، على ما له معطيات حسيّة، فيجب أن تخرج القضايا العلمية الّتي لا تعبّر عن معطىً علمي، عن إطار