نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٥ - الدافع الأوّل تخصيص أداة المعرفة بالتجربة وما يضاهيها
أي الخارج عن الحسّ، ليس أمراً محالاً، بل أمر واقعي موضوعي، معتَمَدٌ في جميع أبواب العلوم.
وقد حان الآن وقت البحث عن الحوافز الّتي دفعت بعض العلماء الطبيعيين إلى تخصيص المعرفة بالأُمور المحسوسة أو المادية، وإخراج ما وراء الطبيعة من جدول موضوعات المعرفة.
***
دوافع إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة
كانت النظرية السائدة بين العلماء الواقعيين الموضوعيين، أنّ حدود المعرفة لا تنحصر بالمحسوسات والماديات، بل تعمّها وغيرها، وأنَّ الإنسان بما أُوتي من أدوات كثيرة للمعرفة، يستطيع أن يتعرّف على عالم الغيب من طرق علمية أو فلسفية أو عن طريق الكشف والشهود، كلٌّ بما أعطي من موهبة.
ولما جاءت الحضارة الصناعية، وأوجدت ما أوجدت من رجّة كبرى في المحافل العلمية، صار بعض المتقولين في العلوم المادية إلى تبنّي نظرية أُخرى، وهي أنّ ما وراء الطبيعة خارج عن حدود المعرفة، لا يتعلق به العلم. بل ربما تجاوزوا هذا الحدّ وقالوا إنّ المعرفة إنّما تتعلّق بظواهر المادة فحسب، لا بها نفسها.
وقد كانت الدوافع النفسية إلى تبنّي هذه النظرية أُموراً نذكر منها ما يلي:
الدافع الأوّل: تخصيص أداة المعرفة بالتجربة وما يضاهيها
تطرّف بعض الطبيعيين ـ من عصر بيكون فما بعده ـ في التجربة، فزعموا أنّها الأداة الوحيدة للتعرّف على الحقائق، وأنّ ما لا يقع في إطار التجربة، فهو إمّا معدوم ليس بموجود، أو يستحيل التعرّف عليه. ولأجل ذلك شطبوا على جملة المعارف الإلهية، والعوالم الغيبية ـ حتّى عالم الأرواح ـ بخطّ عريض قائلين بأنّا لا نرى أثراً لتلك الموجودات تحت أجهزة الإختبار.