نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٤ - الجواب الأول للمحقق الدواني (م ٩٠٨ هـ)
وإلى هذا الإشكال يشير صدر المتألهين بقوله: «إنَّ العلم، بما أنّه من صفات النفس، يجب أن يكون من مقولة الكيف، ومن حيث إنّ حقيقة المعلوم وجدت في الذهن، وجب أن يكون من مقولة المعلوم، فيلزم أن تكون حقيقة واحدة من مقولتين»[١] .
ويقول أيضاً في الفصل الّذي عقده لحلّ إشكالات الوجود الذهني: «إنّ الحقائق الجوهرية، بناءً على أنّ الجوهر ذاتي لها ـ وقد تقرر عندهم انخفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، كما تسوق إليه أدلّة الوجود الذهني ـ يجب أن تكون جوهراً أينما وجدت، وغير حالّة في موضوع، فكيف يجوز أن تكون الحقائق الجوهرية موجودة في الذهن، أعراضاً قائمة به؟
ثم إنّكم قد جعلتم جميع الصور الذهنية كيفيات، فيلزم اندراج حقائق جميع المقولات المتبائنة بالنظر إلى ذواتها، مع الكيف، في الكيف»[٢] .
وإليه يشير الحكيم السبزواري بقوله:
والذاتُ في أنحاء الوُجوداتِ حُفِظْ * جَمْعُ المُقابِلَيْنِ فيه لُحظْ
فَجَوْهَرٌ مع عَرَض كَيْفَ اجتَمَعْ * أمْ كَيْفَ تَحْتَ الكَيْفِ كلّ قَدْ وَقَعْ
وقد مال القوم يميناً ويساراً في حلّ الإشكال، ونكتفي نحن في المقام بذكر أقرب الإجوبة إلى الصواب .[٣]
الجواب الأول: للمحقق الدواني (م ٩٠٨ هـ)
قال إنّ إطلاق الكيف على الصور العلمية للجوهر وسائر المقولات، إطلاق على المسامحة، تشبيهاً للأُمور الذهنية بالحقائق الكيفية الخارجية، وإنّما العلم كيف في مورد واحد، وهو ما إذا تعلّق بالكيف. وأمّا إذا تعلّق بسائر المقولات، فبما أنّ العلم متّحد بالذات مع المعلوم، يكون من مقولة المعلوم فحسب، فإن كان جوهراً فجوهر، وإن كان كمّاً فكمٌّ، وإن كان كيفاً فمن مقولة الكيف. وعلى هذا، فلا يلزم اندراج شيء واحد تحت مقولتين.
[١] الأسفار الأربعة: ١ / ٣٢٥ .
[٢] الأسفار الأربعة: ج ١ المنهج الثالث في الإشارة إلى نشأة أخرى للوجود غير هذا المشهود، الفصل الثالث: ٢٧٧ .
[٣] وأمّا الأجوبة الّتي لم يتعرض لها الأُستاذ ـ دام ظله ـ فإليك بيان رؤوسها :
[١] إنكار الوجود الذهني من أساس.
[٢] التفريق بين القيام بالذهن والحصول فيه، ذهب إليه المحقق القوشجي (لاحظ الأسفار: ١ / ٢٨٢) .
[٣] القول بالأشباح، أي أنّ الموجود في الذهن شبح الخارج، لا نفسه (لاحظ الأسفار: ١ / ٣١٤ ـ ٣١٥) .
[٤] القول بالانقلاب وأنّ الجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن ينقلب كيفاً (لاحظ الأسفار: ١ / ٣١٦ ـ ٣١٨) ولاحظ شرح المنظومة لناظمها: ٢٥ ـ ٢٨، تجد تفصيل ذلك كلّه.