نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٣ - قيمته العلميّة
التمساح، ولأجل ذلك قالوا إنّ الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين.
نعم، لاشك أنّه يفيد الظن، والظن يُلحق الشيء بالأعم الأغلب.
والحق أن يقال إنّه إذا تهاون المستقرئ في استقرائه، وترك الكثير ممّا يمكن التفحص عنه، واكتفى بالقليل، فلاشك أنّه ربما لا يفيد حتّى الظن. ولو أفاده لما تجاوز عنه. وأمّا لو بذل جهده، وسعى سعيه إلى حدٍّ كبير، ولم ير باباً إلاّ طرقه، ووصل إلى نتيجة خاصة، وصار احتمال مخالفها، احتمالاً ضئيلاً لا يتوجه إليه الذهن وإن كان موجوداً في زواياه، فعند ذلك يفيد العلم، أي العلم العرفي، باعتبار فرض الاحتمال المخالف كالعدم. وكلّما اتّسع نطاق الاستقراء، يبتعد صحة الاحتمال المخالف، إلى حدٍّ ينساه الذهن في مقام القضاء.
وما ذكره القدماء أمر متين، إذا فسرنا العلم بالاعتقاد الجازم الّذي لا نحتمل خلافه أبداً، حتّى واحداً في المليار. ومن المعلوم أنّ الاستقراء الناقص لا ينتج هذه النتيجة، إذ الاحتمال المخالف ـ ولو بصورة ضئيلة ـ موجود في الضمير، وهو على طرف النقيض من العلم.
والعلم بهذا المعنى هو مصطلح منطقي، غير أنّ العقلاء ـ في فروضهم العلمية ـ يكتفون بما هو أدون من ذلك. فلو تبيَّن حال موضوع بنحو يطمئن إليه الفؤاد، وكان الاحتمال المخالف ضئيلاً إلى حدّ لاتتوجه إليه النفس، يسمون الاستقراء دليلاً علمياً لا ظنياً، وذلك لإهمالهم الاحتمال المخالف الضئيل المكنون في الذهن. وهذا هو الرائج في التحليلات الإجتماعية والعلمية. وإليك مثال في غير الاستقراء:
لو وقع حريق مهيب في معمل من المعامل، وجاء الخُبراء لتحقيق مَنْشئه، وتحديد فاعله، فيفترضون عدّة فروض، ثم يَردّون الواحد منها تلو الآخر، حتّى يستقرّ نظرهم على أقواها وهو ـ مثلاً ـ أن تكون النار قد انقدحت من احتكاك أسلاك كهربائية أوجدت في البداية حريقاً في زاوية معينة من المعمل ثم انتشرت إلى سائر أرجائه. فيخرجون بهذه النتيجة، ويعلنون على الملأ أن سبب الحريق هو ذلك.