نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٢ - نقل وتحليل
التجربة، اليقين بأنّ النتيجة الّتي أفادتها راجعة إلى نفس طبيعة الشيء بما هي هي، من دون أيّة دخالة لغيرها من الظروف الزمانية والمكانية وآلة التجربة والمجرِّب الخ.
غير أنّ بعض الغربيين، أعني الفيلسوف جان استوارت ميل [١]، ذهب إلى أنّ تعميم نتيجة التجربة إنّما هو في ظل قاعدة مسلّمة هي: إنّ الطبيعة ـ في جميع الأمكنة والأزمنة ـ متحدة الحقيقة والاقتضاء، فهي تعمل في جميع الظروف على نسق واحد. فلو كان لفلزّ معين، ذوبان عند حرارة معينة، فهو (أي الفلزّ) يقتضي ذلك الأثر في جميع المواطن، سواء أكانت ممّا أُجريت فيها التجربة أو لا.
ولكن أشكل عليه بالدور، وهو أنّ تعميم نتيجة التجربة إلى جميع الأفراد، يتوقف على ثبوت هذا الأصل[٢] (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء)، مع أنّه ليس أصلاً عقلياً حتّى يعتمد في ثبوته على العقل، وإنّما هو أصل تجريبي، يحصل بالتجربة. ومن المعلوم أنّ عملية التجربة لكشف وحدة الطبيعة حقيقةً واقتضاءً، لا يمكن أن تتحقق في جميع أفراد الطبيعة، وإنّما تتحقق في الموارد الّتي تجري فيها التجربة. فتعميم نتيجة هذه العمليات المحدودة، يتوقف على ثبوت هذا الأصل، وهو بعدُ غير ثابت. فيُنتج أنّ إثبات كون الطبيعة متّحدة الحقيقة والاقتضاء، يتوقف على ثبوت كون الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء، وهذا دور واضح.
لكن «ميل» تخلّص من هذا الدور بما هذا حاصله:
إنّ وقوف الإنسان على هذا الأصل (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء)، لا يتوقف على استقراء تام وتجارب متعددة، بل يكفي في ثبوته تجربة ناقصة تحصل للإنسان البسيط قبل خوضه في المباحث العقلية، وهو ما أسماه بـ «الاستقراء السطحي». وذلك بحجة أنّ الطفل إذا أدنى يده من النار وآذته بلهيبها، فإنّه لن يمدّ يده بعد ذلك إلى أيّة نار يصادفها، لأنّ تلك التجربة تفيده علماً بأنّه سوف
[١] (١٨٠٦ ـ ١٨٧٣ م). John Stuart Mill .
.. Principe de I'uniformite de al nature .