نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٨ - أقسام القضايا ووقائعها
مفهومها مطرد فيهم وصادق عليهم صدقاً متواطئاً، ينتقل من تلك الحقيقة الملموسة إلى مسألة منطقية ويقول: «الإنسان نوع»، أو: إنّه كليّ»، على ما مرّ توضيحه.
فالخارج منصّة لانطلاق الفكر إلى تلك القضية الكلية الّتي يتخيل أنّها ليس لها مصداق في الخارج، إلاّ أنّ هناك حقيقة خارجية تصحح تلك القضية الكليّة.
وبذلك يعلم حال القضايا الحسابية، إذ ليس لموضوعاتها وجود في الخارج. فليس في الخارج عشرة ولا مائة ولا ألف، بل الموجود في الخارج هو الوحدات، ولكن تلك الوحدات تصحح لنا انتزاع هذه المفاهيم والأعداد، بل صنع قضايا كليّة منها، الّتي منها جدول الضرب الّذي ابتكره «فيثاغورس» اليوناني، فإنّك لا تجد في الخارج مصداقاً لقولنا سبعة مضروبة في سبعة تساوي تسعة وأربعين إلاّ أنّ هناك واقعية تصحح تلك القضية وتعد منشأ انتزاع لها، وهي أنا إذا كررنا سبعة أشياء سبع مرّات نصل إلى تلك النتيجة.
ومثله القضايا الهندسية، وما يرجع إلى الأشكال الهندسية من مربع ومثلث ودائرة، وقواعدها وضوابطها، فإنّها كلها لا مصاديق لها في الخارج. خذ الدائرة مثلاً، فإنّها على التحقيق ليست موجودة في الخارج، وإنّما الموجود هو الجسم المادي. وهكذا المربع ـ مثلاً ـ فإنّما هو مشكّل من خطوط، والخط ـ بالمعنى الفلسفي (الّذي هو نهاية السطح) لا العرفي ـ لا وجود له في الخارج، لأنّها (النهاية) أمر عدمي. ومع ذلك كلّه فالأحكام الواردة على هذه الأشكال بين صحيح وباطل، وما ذلك إلاّ لأنّ لهذه الأشكال مناشئ انتقال تصحح تصويرها، كما تصحح الأحكام الواردة عليها. وعلى مطابقتها وعدمه يدور مدار صدقها وبطلانها.
وبذلك يعلم حال العلوم النفسية، فإنّ الحالات الروحية من حسد وبخل، وكرم، ويأس، و...، ليس لها وجود خارجي كالأجسام، ولكنها بالقياس إلى العدم، لها واقعيات، كما أنّ لها آثاراً تصحح كشفها والانتقال إليها، والحكم بصحة أو بطلان ما نقضي عليها من أحكام.