نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٨ - الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية
في النفس الإنسانية، تظهر وتتفتح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمان، واحتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية، فإنّ مثل هذه ليست علوماً فعلية وإدراكات حاضرة حتّى تكون منفية بقوله تعالى: (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً).
فسلسلة المعلومات والإدراكات الفطرية المودوعة في النفس، حاصلة فيها بالقوة حين ولادة الإنسان، ثم تخرج إلى الفعلية، وتتكامل بتكامل وجوده، وتتفتح تدريجياً باتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة.[١]
فكل ما تقدم يدلّ على أن الإسلاميين من الفلاسفة كانوا رجالاً واقعيين موضوعيين، يتبنون منهج الجزم ويستخدمون أدوات المعرفة كلٌّ منها في مجاله، مقتفين في ذلك بعد كتابهم السماوي المرشد، أثر المعلم الأول .
ومن أبدع أساليبهم في تحليل المعرفة، تقسيمهم التصورات والتصديقات إلى بديهيات ونظريات.
فهناك تصورات بديهية لا يحتاج العقل في دركها إلى أَزيد من تصور موضوعاتها، كمفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والضرورة والإمكان والامتناع، وسائر ما يسمونه في الفلسفة بالأُمور العامة.
وهناك تصورات نظرية تنالها النفس بعد إعمال القوة الفكرية، كالمفاهيم الكلية من الإنسان والفرس والشجر ونحوها. فإنّ النفس تنالها بعد إدراك أَفراد كثيرة لذلك المفهوم الكليّ عن طريق الحسّ، ثم يقوم العقل بعد ورود صورها إلى الذهن بتجريدها من المشخِّصات أولاً، ثم بالأخذ بالقدر المشترك الّذي يعمّ جميع الأفراد.[٢]
وكلا قسمي التصورات يشتركان في أنّ العقل لا ينالهما من دون إعمال الحسّ والاتّصال بالخارج. فلو كان الإنسان فاقداً لعامّة حواسه لما قدر على تصور شيء من التصورات البديهية حتّى الوجود والعدم. كما أنّه لو كان فاقد الصلة بالخارج لما قدر على تجريد الجزئيات والأخذ بالقدر المشترك. وهذا اعتراف من الفلاسفة المسلمين باعتبار الحسّ والعقل في مجال المعرفة الإنسانية.
وكما أنّ التصورات تنقسم إلى بديهية ونظرية، فالتصديقات أيضاً مثلها. فالتصديق بامتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما،
[١] لاحظ مفاهيم القرآن: ١ / ٧٣ ـ ٧٤ .
[٢] نعم، ليست التصورات على وزان واحد، وإن كانت كلها تشترك في أنّ النفس تنالها من الخارج بعد اتّصالها به بالحسّ. بل تفترق إلى قسمين، فإنّ لبعضها مصاديق في الخارج، ولبعضها الآخر مناشئ انتزاع.
فمن القسم الأول، الإنسان والفرس والشجر ونحوها، فإنّ النفس تنتزع من الجزئيات الخارجيّة، بعد تجريدها من الخصوصيات، مفهوماً مشتركاً يسمى مفهوماً كليّاً. وكلّما تصور هذا المفهوم الكلي، انتقل إلى مصاديقه وجزئياته، فيقول هذا إنسان وذاك حيوان وذلك شجر.
ومن القسم الثاني المفاهيم العامة الّتي أُشير إليها في المتن، فليس لها مصاديق في الخارج، وإنّما لها مناشئ انتزاع وانتقال فمفهوم العدم ـ مثلاً ـ من المفاهيم العامة، يصنعه الذهن بعد الاتّصال بالخارج، ولكن ليس له مصداق فيه، لأنّ الخارج يساوق الوجود والعينيّة، والعدم بطلان محض، وإنّما ينتقل الذهن إليه بعد عمليات خاصة.
ومثله الضرورة والإمكان والامتناع، فليس في الخارج شيء محسوس نسميه بأحدها، وإنّما هي مفاهيم يصنعها الذهن بعد ملاحظة القضايا الخارجية، كحتمية كون الأربعة زوجاً، وحتمية عدم كونها فرداً، فينتقل من تصور هذه القضايا إلى صنع مفهوم الضرورة والامتناع. فلأجل ذلك قلنا إنّ التصورات ليست على وزان واحد، بل هي بين ما يكون له مصداق، وما يكون له منشأ للانتزاع والانتقال من دون أن يكون له مصداق.
وأمّا عدم كون الوجود والوحدة الّتي تساوقه ممّا له مصاديق في الخارج، فيحتاج إلى بيان آخر قرره الحكماء عند البحث عن أحكام الوجود الخارجي والذهني.